في مطار القاهرة حكايات حماده هيكل

موقع أيام نيوز


اختفت الابتسامة من وجهه.
ضغط على لوحة المفاتيح أكثر من مرة.
وأعاد إدخال رقم البطاقة.
ثم نظر إلى كريم وقال
حضرتك تستأذنني دقيقة.
ابتعد الموظف إلى مكتب المدير.
رأيت كريم يعبس لأول مرة.
عاد الموظف بعد دقائق، وبرفق قال
آسف يا فندم... لا يمكن تنفيذ أي إجراء على الحساب.
قطب كريم حاجبيه.
ليه؟
رد الموظف
لأن جميع التوكيلات والصلاحيات الملحقة بالحساب تم إلغاؤها رسميًا من عدة أشهر.
تجمد مكانه.
إيه؟!
أكمل الموظف بهدوء
وكمان فيه تنبيه على العقار يمنع أي بيع أو رهن أو نقل ملكية إلا بحضور المالكة شخصيًا.
نظر إليّ كريم بسرعة.
كانت أول مرة يرى على وجهي ابتسامة لم يفهم معناها.
همس بعصبية
إنتِ عملتي إيه؟
أجبته بهدوء شديد
عملت اللي أي واحدة عاقلة تعمله... لما تحس إن جوزها بقى بيخبي عنها أسرار.
بدأ العرق يظهر على جبينه.
أخرج هاتفه بسرعة واتصل بعشيقته.
لم ترد.
اتصل مرة ثانية.
ثم ثالثة.
لا إجابة.
في تلك اللحظة، دخل رجل في الخمسينيات من عمره إلى صالة البنك.
كان الأستاذ حسام... محامي والدي.
توجه نحونا مباشرة، ووضع حقيبة أوراقه على المكتب.
ثم قال للمدير
صباح الخير... جئت بخصوص البلاغ الذي قدمناه أمس، ومعي تسجيل صوتي ومستندات تثبت وجود محاولة للاستيلاء على أموال وممتلكات موكلتي.
اختفى اللون تمامًا من وجه كريم.
نظر إليّ وكأنه يرى شخصًا آخر لأول مرة.
أما أنا...
فاكتفيت بأن أخرج هاتفي، وأشغّل التسجيل.
وانتشر صوته في المكتب كله
الغبية دي هتخسر كل حاجة... أول ما التحويل يتم.
ساد الصمت.
ولأول مرة منذ سنوات...
أدرك كريم أن اللعبة انتهت.
لكن ما لم يكن يعرفه...
أن المفاجأة الأكبر لم تكن في البنك.
بل كانت في الشخص الذي كان ينتظره خارج الباب، ويحمل في يده ملفًا سيكشف سرًا أخفاه كريم لسنوات...
يتبع...
الجزء الأخير
خرج كريم من مكتب البنك وهو يحاول التظاهر بالتماسك، لكن يديه كانتا ترتجفان.
وبمجرد أن فتح باب الفرع...
توقف فجأة.
وقف أمامه رجل في الستين من عمره يرتدي بدلة رمادية، وخلفه شاب يحمل عدة ملفات.
شهق كريم وقال
أنت... إزاي عرفت؟
ابتسم الرجل بهدوء وقال
أنا المحاسب القانوني لشركتك... السابقة.
نظر إليّ ثم قال
مدام سلمى، آسف إننا بنتقابل في الظروف دي، لكن حضرتك لازم تعرفي الحقيقة.
فتح الملف الأول.
وقال أمام كريم
الشركة اللي حضرتك كنتِ فاكرة إنها بتخسر... كانت بتكسب ملايين الجنيهات.
نظرت إلى كريم في صمت.
أكمل المحاسب
وكان بيحول جزءًا كبيرًا من الأرباح إلى حسابات أخرى بأسماء شركات وهمية.
ثم أخرج ملفًا ثانيًا.
ودي العقود اللي كان ناوي يرهن بيها البيت بعد ما ينقل ملكيته.
أطرق كريم رأسه.
لم يعد لديه أي رد.
في تلك اللحظة، وصلت المرأة التي رأيتها معه في المطار.
كانت تركض وهي تصرخ
كريم... رد على تليفونك!
لكنها توقفت عندما رأت المحامي والمحاسب.
سألها المحامي بهدوء
حضرتك شريكة في الشركات دي؟
ارتبكت وقالت
أنا... أنا كنت بنفذ اللي هو بيقوله.
قال المحامي
وده مكتوب في التحويلات والإيميلات.
فاڼهارت على أقرب كرسي.
أما كريم...
فحاول أن يمسك بيدي.
وقال بصوت مكسور
سامحيني... كنت مضغوط.
نزعت يدي بهدوء.
وقلت
الإنسان ممكن أسامحه على الغلط...
لكن مش على الخېانة والتخطيط.
ثم الټفت إلى المحامي.
ابدأوا الإجراءات.
استغرقت القضية عدة أشهر.
التسجيل
الصوتي، والمستندات، وسجلات التحويلات، كلها كانت كافية لإثبات الحقيقة.
انتهى الأمر بالطلاق.
واستعدت كل حقوقي.
البيت بقي باسمي كما كان.
وأُلغيت كل التوكيلات التي حاول استغلالها.
أما كريم...
فخسر الشركة بعد انسحاب المستثمرين عندما عرفوا بما حدث.
والمرأة التي خاطر بكل شيء من أجلها...
تركت العمل واختفت من حياته بمجرد أن أدركت أنه لم يعد يملك المال ولا النفوذ.
بعد عام كامل...
كنت أقف في شرفة البيت الذي بناه والدي بيديه.
أنظر إلى أشجار الليمون التي كان يعتني بها كل صباح.
شعرت لأول مرة منذ سنوات براحة حقيقية.
اقتربت مني ابنة أختي الصغيرة وسألت
خالتي... إنتِ ليه مبتزعليش؟
ابتسمت وربتُّ على رأسها.
وقلت
لأن ربنا أحيانًا بيكشف الحقيقة في الوقت المناسب... قبل ما نخسر عمرنا كله.
رفعت رأسي إلى السماء، وهمست
الحمد لله.
ثم دخلت البيت، وأغلقت الباب خلفي...
لكن هذه المرة، لم يكن بابًا يُغلق على الخېانة.
بل كان بابًا يُفتح على بداية جديدة، وحياة لا مكان فيها إلا لمن يستحق الثقة.
تمت.

 

تم نسخ الرابط