رن عليا جارى نص الليل
المحتويات
قدامي وانا بحاول اهدى وأجبر نفسي آخد نفس، والصور بتتراقص قدام عيني ليان وهي بتضحك وهي بتشرب عصير برتقال عملته لها بنفسي، ليان وهي بتجري في الحديقة وراء الفراشة، ليان وهي بټعيط لما كنت بروح الشغل وتقولي متتأخرش يا بابا عشان خاطري. كل صورة من دول كانت بټضرب في قلبي زي السکين، ومش عارف أفهم إيه اللي حصل، وإيه اللي خلاها تطلع للشارع نص الليل لوحدها وشها كله ډم، وإيه اللي منى مش بترد، وإيه اللي أمها بتتكلم بالطريقة دي كلها.
بعدها اتصلت بأخويا، أحمد. رد وهو لسه نايم، لكن أول ما سمع صوتي فاق فورًا وعرف إن فيه حاجة غلط، من غير ما أقول له كلمة واحدة.
قلتله بسرعة ومش عارف أرتب كلامي أحمد اطلع على بيتي... حالًا، ما تضيعش دقيقة واحدة.
أحمد ما سألش أي سؤال، ولا قال لي إيه اللي حصل ولا ليه ولا إيه فيه. عرف من صوتي إن الموضوع مش سهل، وإن لازم يروح من غير أي تأخير. قال كلمة واحدة بصوت جاد ومسؤول حاضر أنا رايح حالًا، ما تقلقش أنا جاي.
إحنا اتربينا مع أم كانت بتشتغل أكتر من شغلانة عشان تقدر تربينا وتعيشنا بكرامة، وكنا عايشين لوحدنا في البيت أغلب الوقت لإنها كانت بتطلع من الصبح وترجع ليلًا متعبة ومش قادرة تتكلم إلا قليل. عشان كده أمي علمتنا من وإحنا صغيرين ازاى نكون مترابطين، واننا نكون واحد وضهر وسند لبعض، ونعرف امتى كل واحد فينا في خطړ من أول لحظة ونبره صوته حتى لو ما تكلمش بحاجة. كانت تقول لنا الدنيا كتير ومش كل حد فيها بيحب الخير، فما تسيبوش بعض أبدًا، ولا تخلوش حد يقدر يضرب حد فيكم والتاني واقف يتفرج. وكنا بنعمل كده دايماً، لما كان حد يضربني في المدرسة أحمد كان بياخد حقي منهم مهما كانوا أكبر منه، ولما كان أحمد بيحتاج مساعدة في دروسه كنت أساعده لحد ما يفهم كل حاجة، ولما مرضت أمي كنا بنقعد جنبها نخدمها ونقول لها كل حاجة تمام وما تقلقش من حاجة.
أحمد بقى محامي جنائي، قضى سنين كتير بيدافع عن الناس الضعيفة اللي مش معاهم فلوس يدافعوا عن نفسهم، وعرف كل أنواع الناس وكل أنواع الأڈى اللي ممكن يصير في الدنيا دي. وأما أنا بقيت مستشار إداري، قضيت حياتي بين المكاتب والشركات، بحاول أنظم أمور الناس وأساعدهم ينجحوا في شغلهم، وكنت دايماً بحاول أبعد عن أي مشاكل أو صراعات بقدر المستطاع. طرقنا اختلفت كتير، وطبيعتنا كانت مختلفة، لكن إحساسنا ببعض لما يكون حد فينا في خطړ عمره ما اختلف أبدًا، مهما مرت السنين ومهما ابتعدنا عن بعض في الشغل أو في الحياة.
بعد اتنين وتلاتين دقيقة كلمني، والوقت ده كان بيمر عليا زي سنين كتير، كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة كاملة وأنا مش عارف أنام ولا أجلس ولا أتحرك من مكاني.
قال بصوت هادي بشكل خوّفني أكتر من أي صوت عالي أو صوت عيط أنا معايا ليان.
قلت بسرعة وقلبي بيدق بكل قوة ومش عارف أستنى أي كلمة تانية عايشة؟ قولي لي إنها عايشة يا أحمد أرجوك.
أيوه... عايشة، الحمد لله لسه معانا. وأنا واخدها دلوقتي على الطوارئ في مستشفى قريب من هنا، عشان يتأكدوا من حالها ويعالجوا كل إصاباتها.
إيه اللي حصل لها؟ إيه اللي جابها قدام البيت وشها كله ډم؟ وين منى؟ ليه مش
معاها؟.
سكت ثانية طويلة جدًا، وصوت العربيات والسيارات
متابعة القراءة