صدفه غيرت حياتى

موقع أيام نيوز

ممكن أقعد جنبك؟ بنت برجل صناعية سألتني... قولتلها اتفضلي... ومن اللحظة دي حياتي اتغيرت للأبد
الناس في محطة القطر كانوا كلهم بيتجنبوا البنت الصغيرة اللي واقفة لوحدها برجل صناعية، وكأنهم مش شايفينها أصلًا. لكن لما قربت بخجل من راجل أرمل، مكسور ووحيد، وسألته
ممكن أقعد جنبك؟
رد عليها بكلمة واحدة اتفضلي.
الكلمة البسيطة دي ما كانتش مجرد إذن إنها تقعد... دي كانت بداية رحلة هتعالج جروحهم هما الاتنين، وتغيّر مصيرهم، وتجمع بينهم في عيلة عمرها ما هتتفك، بسبب لحظة رحمة واحدة.
محطة القطر كانت زحمة وصوتها عالي بشكل غير طبيعي عصر اليوم ده. لكن وسط مئات الناس اللي كل واحد مستعجل على حاله، كان فيه صوت هادي وصلني أوضح من أي إعلان خارج من السماعات.
كنت طول عمري فاكر إن اللحظات اللي بتغيّر حياة الإنسان بيكون ليها مقدمات، أو مواقف درامية، أو قرارات مستحيلة. لكني طلعت غلطان. ساعات اللحظة اللي بتقلب حياتك كلها بتبدأ بسؤال بسيط من حد الناس كلها قررت تتجاهله.
بصيت لقيت بنت مراهقة واقفة على رجل صناعية، وعينيها مليانة توتر، وماسكة شنطة ضهر قديمة مترقعة أكتر من مرة. ابتسمتلي ابتسامة ما يعرفهاش غير اللي شاف ۏجع حقيقي في حياته... وبعدها قالت بهدوء
ممكن أقعد جنبك؟
مكنتش أعرف إن مجرد كلمة اتفضلي هتغيّر قصة حياتي بالكامل.
أنا اسمي كريم، ولحد عصر اليوم ده كنت فاكر إني فاهم يعني إيه وحدة. كان عندي ٣٨ سنة، وبشتغل فني صيانة أسانسيرات في القاهرة، وبرجع كل يوم لشقة صغيرة مفيهاش غير الصمت.
من ٣ سنين فقدت مراتي سارة وابني اللي كان لسه في بطنها، في حاډثة طريق بشعة بسبب سواق كان ماسك الموبايل وهو سايق.
ومن يومها وكل يوم بقى نسخة من اللي قبله... أصحى قبل الفجر، أغرق نفسي في الشغل، أرجع البيت مرهق، أسخن أي أكل جاهز، وأفضل أبص في صورهم القديمة لحد ما النوم يغلب الذكريات.
الناس كانت دايمًا تقول الوقت بيشفي كل حاجة.
لكن الحقيقة إن الوقت مش بيشفي... هو بس بيعلمك تخبي وجعك كويس، لحد ما الناس تبطل تسألك مالك.
الجمعة دي كانت صعبة من أولها. الشركة أعلنت إنها هتسرّح ناس، وأنا الحمد لله فضلت مكاني، لكن كام واحد من أقرب زمايلي مشي. فرحتي إني مكمل اختلطت بإحساس بالذنب، وطعم المرارة فضل في بقي مهما شربت قهوة.
رصيف المحطة كان مليان ناس مستنية القطر. كل الكراسي كانت مليانة... إلا الكرسي اللي جنبي.
في الأول افتكرت إن الناس بتحب تقف... لكن بعدها فهمت السبب.
بنت لابسة هودي أصفر باهت كانت بتمشي ناحيتي بالراحة، مستندة على رجلها الصناعية المعدنية. كل خطوة كانت محتاجة مجهود، لكنها ما كانتش بتشتكي ولا بتبين تعبها، وكانت ماشية بكرامة غريبة تخليك تحترمها من غير ما تتكلم.
كل اللي حواليها كانوا يبصولها بسرعة، وبعدها يلفوا وشهم. وفي ناس كانت تقوم تبعد شوية علشان متقعدش جنبهم.
لما وصلت عندي، بصتلي بخجل وقالت
ممكن أقعد جنبك؟
ابتسمتلها من غير ما أفكر، وهزيت راسي وقلت
اتفضلي.
ليان
في اللحظة دي كتافها ارتخوا، كأنها كانت شايلة حمل تقيل طول اليوم، وفجأة حد شاله عنها.
قعدنا جنب بعض كام دقيقة من غير كلام، والقطارات رايحة جاية. كانت باين عليها مرهقة جدًا... لكن لأول مرة شكلها كان مرتاح.
بدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة بتقول أكتر من أي كلام.
شنطة الضهر مترقعة في كذا حتة، الكوتشي مهلوك من كتر الاستعمال، وكم الهودي متخيط بإيد حد بعناية.
ورغم كل ده... كانت محافظة على كرامتها بشكل يخلّي أي حد يحترمها.
بعد شوية بصتلي وقالت
شكرًا.
ليان
وقالتلي إن ناس

تم نسخ الرابط