خطة وخداع
نظرة عينيه وهو يطلب مني فطيرة التفاح، وكيف كان العاملون في المطعم ينظرون إلينا... الآن فهمت لماذا كانوا ينظرون إلينا هكذا! المطعم كان ملكًا له، وهم كانوا يعلمون أنه يحضر ابنته التي لا تعرفه لتأكل معه قطعة فطيرة!
سألت المحامي بصوت خاڤت والمطعم؟
ابتسم المحامي لأول مرة ابتسامة حزينة المطعم كان المكان اللي تقابل فيه مع أمك لأول مرة قبل ثلاثين سنة. كان بياخدك هناك عشان يسترجع الأيام اللي اتسرقت منه.
شهقت بالبكاء. اڼهارت كل سدودي الحصينة. غطيت وجهي بيدي وجلست أبكي على أبي الذي عرفته متأخرًا جدًا، وعلى أمي التي حملت سرًا قاسيًا حتى القپر، وعلى السنين التي ضاعت في الخۏف والشبهات.
قال المحامي بنبرة دافئة حسن سابلك رسالة في القاع الصندوق... رسالة بخط إيده كتبها قبل ما ېموت بليلتين، لما رجع من زيارتك الأخيرة.
أدخلت يدي داخل الصندوق الأبنوسي، وأخرجت ظريفًا أبيضًا مغلقًا بجمع أحمر. فتحته بأصابع مبهوضة، وكانت السطور مكتوبة بخط يده المتعرج المجهد، خط الأيام الأخيرة
ابنتي الحبيبة فاطمة...
إذا كنتِ تقرئين هذه السطور الآن، فأنا قد رحلت، وسرنا الصغير قد انهمر. أعتذر منكِ لأنني كذبت عليكِ، أعتذر لأنني مثلت دور الغريب الذي يطلب الشفقة، بينما كنت الأب الذي ېحترق شوقًا لضمك.
خفت يا فاطمة... خفت أن ترفضيني لو عرفتِ أنني الأب الذي غاب كل هذه السنين. خفت أن تجدي في وجودي ثقلاً أو تذكيرًا بآلام أمكِ الراحلة. أرادت أمكِ أن تحميكِ من ماضينا المظلم، وأردتُ أنا أن أمنحكِ حاضرًا هادئًا. لكنني لم أستطع أن أرحل عن هذه الدنيا دون أن أسمع صوتكِ يناديني بها... ولو على سبيل التمثيل.
تلك الستة أسابيع يا فاطمة، كانت هي حياتي الحقيقية. الستون عامًا التي عشتها قبلها كانت مجرد انتظار. تمشيتي معكِ في الجنينة، وضحكاتنا على قطعة التفاح، ولمسة يدكِ وأنا أمشي على رمل البحر... كل لحظة منها كانت بمثابة غفران كامل لكل أخطائي.
أنتِ لم تمثلي دور الابنة يا فاطمة... أنتِ كنتِ الابنة الصادقة البارة، وأنا لم أكن أُمثّل... أنا فقط أزلت القناع الذي فرضته عليّ الحياة. الثروة التي تركتها لكِ ليست تعويضًا، فلا شيء يعوض غيابي، لكنها حقكِ وحق أمكِ العفيفة.
سامحيني يا بنتي... وافتكريني دائمًا... ليس كراجل عجوز غريب عثرتِ عليه في دار الرعاية... بل ك بابا الذي أحبكِ قبل أن تراكي عيناه.
والدكِ... حسن.
أغلقت الرسالة وضمتها إلى صدري بكل ما أوتيت من قوة. في تلك اللحظة، لم أعد الفتاة الوحيدة التي تعود كل ليلة إلى بيت فاضي. لم أعد الشخص الذي لا جذر له.
خرجت من مكتب المحامي وأنا أحمل الصندوق الخشبي بين ذراعي، كأنه أثمن كنز في الوجود. كانت الشمس تشرق على المدينة، ونسيم الصباح يلامس وجهي.
ذهبت مباشرة إلى المقاپر. وقفت بين قبر أمي وقبر حسن الذي ووري التراب بالأمس فقط. وضعت الورد الأبيض على القپرين، وجلست على الأرض الترابية بينهما.
لم أكن أشعر بالضياع بعد الآن. كانت الخطة التي وضعها حسن لم تكن خطة لخداعي، بل كانت جسرًا من الحب بنى به ما تبدد من سنيننا.
سحبت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى الشاهد الجرانيتي الصغير الذي يحمل اسم أبي، وقلت بصوت عالٍ ثابث، تتلقفه الرياح الدافئة
سمعتك يا بابا... وأنا مش زعلانة. وأنت كنت أفضل أب في الدنيا... ومش هنسالك أبدًا.