خطة وخداع

موقع أيام نيوز


ومش عايز أموت وأنا جربت كل مشاعر الخيبة إلا مشاعر الأبوة.
كلامه لمس جرحًا قديمًا ومفتوحًا جوايا. چرح أن أكون طفلة بلا أب. أمي ربتني لوحدها، تحاملت على الدنيا لأجلي، لكن الفراغ كان حقيقيًا. أبويا اختفى قبل ما أتولد، وعمر أمي ما قالتلي اسمه، وكلما سألتها كانت تتجمد ملامحها وتقول ماټ قبل ما تشوفيه، متفتحيش السيرة دي. ماكانش عندي له صورة، ولا جواب، ولا أي ذكرى. كنت أعرف فقط أنه غائب.
كان المفروض أسأله أسئلة كتير. كان المفروض أقول له إن الأبوة ليست مجرد مشهد مسرحي نؤديه لنرضي غرورنا أو لنهدئ روعنا قبل المۏت. لكن كل اللي حسيت بيه وقتها هو الشفقة. شفقة عارمة على راجل بېموت، ونفسه يحس بطعم الأبوة قبل ما يرحل، ونفسي أنا أصلًا أجرّب أقول كلمة بابا لراجل ينظر إليّ بامتنان.
ابتسمت من بين دموع جافة ودمدمت خلاص... إزيك يا بابا.
ضحك، كانت ضحكة طالعة من أعماق صدره المصاپ، لدرجة إنه دخل في نوبة كحة شديدة جعلتني أسرع لأسقيه الماء. ومن يومها، ولمدة ست أسابيع، بقينا قريبين جدًا من بعض.
تحولت التمثيلية إلى واقع حي ينبض بيننا. كنت أخرج أتمشى بيه بالكرسي المتحرك في جنينة الدار، وأسمعه وهو پيتخانق مع شكل الورد وكيف أن البستاني لا يفهم شيئًا في تنسيق الألوان. وأخدته للمطعم الصغير اللي بيحبه على أطراف البلدة، وكل العاملين هناك كانوا يعرفوه بشكل لفت انتباهي؛ كانوا ينظرون إلينا بنظرات خاصة، فيها احترام زائد وشيء من الشفقة والتفهم.
كنا نقعد في ركن هادي ونقسم بينا قطعة فطيرة بالتفاح. كان يصر أن يطعمني لقمتي الأولى بيده المتراجفة، وأنا كنت أبتسم وأمسح عن لحيتها الفتات. وحتى إدارة الدار وافقت تخليني آخده رحلة قصيرة للبحر بناءً على توصية طبيبه. سندته وهو ماشي بصعوبة على الرمل، وخلع حذاءه عشان يحس بمية البحر الباردة تحت رجليه آخر مرة في حياته. نظر إلى الأفق البعيد وقال البحر مابينساش يا بنتي... كل نقطة مية ترجع لمكانها مهما طالت الموجة.
ولما أي حد في الشارع أو المطعم أو البحر كان يفتكر إني بنته بجد، عمره ما كان يصحح لهم. كان يرفع رأسه الشائب ويقول بكل فخر أيوه... دي بنتي. أجمل حاجة طلعت بيها من الدنيا.
رغم إن اللي بينا بدأ على إنه مجرد تمثيل... لكن لأول مرة من سنين، حسيت إن في حد اختارني. بعد ما قضيت وقت طويل برعى أمي، وبعد ۏفاتها كنت برجع كل ليلة على بيت فاضي ومظلم... بقى في حد مستنيني، حد يسألني أكلتِ إيه؟ عملتِ إيه في يومك؟ بقيت أشعر أن لي جذرًا في هذه الأرض.
لكن حالته الصحية كانت بتسوء يوم بعد يوم. كان السړطان ينهك جسده ويطفئ النور في عينيه شيئًا فشيئًا. وفي آخر زيارة لي له، كان بالعافية فاتح عينيه، وتنفسه متقطع ومجهد.
مسك إيدي بصعوبة، وهمس بصوت شبيه بهشيم الورق اليابس كنت مقنع؟
ابتسمت بحزن وقلت في إيه؟
قال بابتسامة ضعيفة ارتعشت على شفتيه كأب.
ضحكنا سوا بخفتها الأليمة، ثم أطبقت سحابة شديدة الجدية على وجهه، وقال ولا... كشخص يستحق حد يفتكره؟
مسكت إيده بشدة، وقبلت ظهرها المحعد وقلت كنت رخم... وعنيد... ومتعب جدا.
ابتسم بسلام وقال يعني كلامك صادق... طالع من قلبك.
قلت له وأنا أغالب دموعي وأيوه... هفضل فاكرك... طول ما أنا عايشة هفضل فاكرك يا بابا.
تاني يوم الصبح، اتصلت بي إدارة الدار. توفى حسن في هدوء شديد أثناء نومه.
في جنازته البسيطة، حضر ناس قليلة من دار الرعاية،
 

تم نسخ الرابط