خطة وخداع

موقع أيام نيوز


وكمان موظفين من المطعم اللي كنا بنروحه. كنت أقف بمفردي بملابسي السوداء، أدس يدي في جيبي، وأبكي رجلاً لم أعرفه إلا لستة أسابيع. وأثناء ما كنت بحط وردة بيضاء على النعش وهو ينزل في التراب، لاحظت رجلًا يقف بعيدًا. كان يرتدي بدلة رسمية داكنة، وشعره مشطوف بعناية، يقف بثبات ويراقبني بتركيز شديد بنظرات لم أفهمها وقتها. لم يتقدم ليتحدث معي ولم يعزني.
لكن تاني يوم الصبح، رن هاتف بيتي. كان المتحدث هو نفس الرجل الرسمي، التقدّم بنفسه على أنه المحامي عادل، وطلب مني بلهجة صارمة ومباشرة أن أقابله في مكتبه بوسط المدينة فورًا لأمر يتعلق بالحاج حسن.
توجّهت إلى مكتبه وأنا أظن أنه يستدعيني لأجل بعض الإجراءات الإدارية، أو ربما لدفع المتبقي من مصاريف الچنازة. أول ما دخلت المكتب الأنيق ذات الجدران الخشبية، لا عزاني المحامي، ولا حتى قال كلمة مواساة واحدة. كان جمود وجهه أشبه بقناع من الفخار.
جلس خلف مكتبه الفخم، وفتح درجًا عريضًا، وأخرج منه صندوقًا خشبيًا قديمًا مصنوًعا من الأبنوس الداكن، عليه نقوش نحاسية متآكلة. حطه قدامي على الترابيزة بكل قوة، وبصلي بنظرة حادة وقال إنتِ وقعتي بنفسك في الخطة اللي كان عاملها.
جسمي كله ساق في لحظة. شعرت أن الهواء يسحب من الغرفة.
قلت له بصوت متلعثم إنت بتقول إيه؟ خطة إيه؟ عم حسن كان راجل طيب ومريض...
زق الصندوق الخشبي ناحيتي بقوة وقال هو ماقابلكيش بالصدفة... اختار دار الرعاية دي مخصوص، لأنه كان عارف إنك بتتطوعي فيها يومين في الأسبوع. اتبرع للدار بفلوس عشان يقبلوا وجوده في الغرفة دي بالذات.
إيديا بدأت تترعش، وجلست على حرف الكرسي بذهول. وقبل ما أنطق بكلمة، كمل المحامي بنبرة صارمة فضل يدور عليكي عشرين سنة كاملة. ولما أخيرًا لقاكي وعرف مكانك وشاف حياتك، خلاني أوعده وأكتب عقود رسمية إني ماقولكيش الحقيقة غير بعد ۏفاته. كل خطوة شفتيها في الست أسابيع اللي فاتوا كانت مكتوبة ومحسوبة بالمليمتر.
بصيت للصندوق الخشبي المغلق، ولسه ما فتحتهوش. كان عقلي يدور في فراغ لا نهائي.
سحب المحامي الكرسي اللي جنبي وقعد قصادي، وهبط بصوته إلى نبرة مشحونة بالثقل وقال اقعدي... لأن اللي هتسمعيه دلوقتي هيغير حياتك كلها، وهيغير نظرتك لأمك، ولحسن، ولنفسك.
وسكت لحظة، ثم نظر في عينيا مباشرة وقال كلمة نزل صلبها على رأسي كالمطرقة
هو ماكانش بيمثل إنه أبوكي...
...هو كان بيمثل إنه مش أبوكي.
بقيت مسمّرة في مكاني، النبض ينبض في صدغي كالمجانين. الكلمة كانت أثقل من أن يستوعبها عقلي في ثانية. كان بيمثل إنه مش أبوكي؟
صمت المحامي عادل لوهلة، يترك أثر كلماته يحفر طريقه داخل روعي، ثم مد يده وفتح قفل الصندوق الخشبي. انفتح الغطاء بصرير خفيف، فڤضحت الرائحة المنبعثة منه تاريخًا كاملاً من الأوراق القديمة، ورائحة التبغ، والياسمين المجفف.
أخرج المحامي ملفًا أصفرًا وسحبه أمامي. أبوكي، حسن الألفي، ماكانش مجرد راجل وحيد ولا كان غريب. حسن كان مهندس معمارى مرموق، وكان شريك في واحدة من أكبر شركات المقاولات قبل ثلاثين سنة. لكن قصته مع أمك... فريدة... كانت القصة اللي ډمرت كل حاجة.
شعرت بالبرودة تسري في أطرافي وأنا أسمع اسم أمي ينطق من لسانه بهذه البساطة. قال المحامي وهو يقلب المذكرات أبوكي وأمك اتجوزوا عن حب شديد. لكن جدك، والد أمك، كان راجل نافذ وصارم، ورفض الجوازة دي من البداية لأسباب عائلية وصراعات قديمة. ولما اتجوزوا من وراه، أقسم إنه يدمّر حسن. وبالفعل، اتلفقت لحسن قضية اختلاس كبرى في الشريكة، قضية كانت كفيلة
 

تم نسخ الرابط