خطة وخداع
كانت أمي تقول إن بعض البيوت لا تُبنى من الحجارة، بل من السكوت.
طوال سبعة وعشرين عامًا، كان بيتنا مجرد جدرانٍ متراصة تخبئ بين طياتها صمتًا ثقيلاً لا يكسره إلا صوت سعال أمي المړيض، أو حفيف أوراق مجلاتها القديمة وهي تقلبها في المساء. لم يكن في بيتنا صُوَرٌ ملونة، ولم تكن هناك إطارات تعلو المدفأة لتعرض لقطات عائلية دافئة. كانت هناك نقطة بيضاء فارغة في كل تفاصيل حياتي؛ مكان أسطوري يُفترض أن يشغله رجل يُدعى الأب.
رحلت أمي بعد رحلة طويلة مع المړض، رحلت وهزت رأسي على صدرها للحيظات الأخيرة، لكنها حتى وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لم تنطق باسمه. تركتني في بيت فاضي، بيت يلتهم أصدائه خطواتي. كل ليلة كنت أعود فيها من عملي أو من دراستي، كان الصمت يقف على الباب منتظرًا ليحتضنني برودته. وكي أهرب من هذا الخواء الذي كان ېهدد بابتلاعي، قررت أن أمنح وقتي لمن هم أضعف مني. بدأت أتطوع في دار رعاية هادئة، تقع على أطراف المدينة، بعيدًا عن الضوضاء، حيث تتراكم الأيام بطيئة ومتشابهة على وجوه كبار السن الذين طواهم النسيان.
وهناك، بين ممرات تشم فيها رائحة المطهّرات والزهور الذابلة، عرفته.
كان اسمه حسن. رجل في التاسعة والخمسين من عمره، تجلس على ملامحه قسۏة السنين وشيء من الانكسار الشديد. لم يكن له زوار. بينما كان باقي المقيمين يفيض عندهم الورد، وتملأ غرفهم ضحكات الأحفاد وضجيج العائلات في عطلة نهاية الأسبوع، كان هو يقضي أيامه كلها لوحده، يحدق من الشباك نحو الطريق السريع الممتد في الأفق، كأنه ينتظر شيئًا لن يأتي أبدا. لم يكن جنب سريره أي صورة لعيلته، ولا حتى اسم مدون في دفتر الطوارئ الخاص بالدار.
في الأول، كنت أعدي عليه زي أي متطوعة. ألقي السلام، أتأكد من أن وجبته قُدمت، ثم أمضي. لكنني لاحظت أنه لا ينظر إليّ بشكل مباشر، بل كان ېختلس النظر حين ألتفت، وكان عينيه تتعلقان بي بحزن عميق وجاف.
مع الأيام، بدأت أجيب له قهوة معايا. صرت أستقطع ساعة كاملة بعد ما أخلص ساعاتي التطوعية، وأقعد جنبه. كان في البداية صامتًا كجدار من الغرانيت، لكنه رويدًا رويدًا بدأ يتكلم. كان يحكي عن الفرص اللي ضاعت منه، وعن الأخطاء الشنيعة التي يرتكبها الإنسان وهو في غرور شبابه، ثم يصحو متأخرًا ليجد أنه وقف وحده في منتصف الطريق، لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى. كان يتحدث عن السنين اللي كان نفسه يعيشها بشكل مختلف، وعن القرارات التي اتخذها بدم بارد ثم ډفن ثمنها حارًا من روحه.
ومع الوقت، بقيت أنا الشخص الوحيد اللي بيستناه كل يوم. تصادف خطواتي في الممر لمسة دفء في عينيه، وكان يضبط ساعته القديمة على موعد مجيئي.
في ليلة مطر غزيرة، كانت الأجواء في الدار كئيبة، وصوت القطرات يقرع زجاج النافذة بقسۏة. كنت أجمع أغراضي لأغادر، فمد إيده فجأة، ومسك إيدي بتردد، وكانت أصابعه باردة ومتراجفة. قال بنبرة مبحوخة
ليّا عندك آخر طلب.
بصيت له باستغراب، وجلست على طرف السرير خير يا عم حسن؟
قال وهو باصص من الشباك، كأنه يستجمع شجاعة تائهة منذ عقود عايزك تمثلي إنك بنتي... لحد ما أموت.
افتكرت إني سمعت غلط. ارتفعت حاجبي وضحكت بقلة حيلة، لكن عينيه لم تكن تبتسمان.
كمل بهدوء شديد ومرارة تنقط من كلماته عارف إن الطلب غريب... ومش منطقي. لكن أنا ضيعت بنتي قبل حتى ما تتولد، والظروف فرقت بينا، وماعرفتش يعني إيه يكون عندي بنت. أنا بلحظاتي الأخيرة،