كان زوجها

موقع أيام نيوز

أرباح الشركة لمؤسسة تنموية تخدم الناس، لكنه كان عارف إن تنفيذ المشروع محتاج ناس مؤمنة بالفكرة.
قلبت دنيا الصفحات.
وفي آخر الملف...
وجدت ورقة بعنوان
مجلس الأمناء المقترح.
كان أول اسم...
محمود الشاذلي.
الثاني...
عادل رفعت.
الثالث...
طارق رياض.
أما الاسم الرابع...
فكان ممزقًا من منتصف الورقة، وكأن أحدًا نزعه عمدًا.
رفعت دنيا رأسها.
مين كان الاسم الرابع؟
نظر الرجل المسن إلى الجميع.
ثم قال بهدوء
ده السؤال اللي لازم تعرفوا إجابته... لأن الشخص ده هو الوحيد اللي يعرف الجزء المفقود من وصية والدك.
وفي تلك اللحظة...
سمعوا صوت خطوات تقترب من باب غرفة الأرشيف.
ثم طرق الباب ثلاث طرقات هادئة.
وقال صوت مألوف من الخارج
ممكن أدخل؟... أعتقد إن الوقت جه علشان أقول الحقيقة.
يتبع...الجزء الثالث عشر
ساد الصمت داخل غرفة الأرشيف.
نظر الجميع نحو الباب.
تقدّم طارق بحذر وفتحه.
وقف رجل في منتصف الخمسينيات، أنيق المظهر، يحمل حقيبة جلدية سوداء.
أول ما رآه الرجل المسن، وقف من مكانه وقال بدهشة
أستاذ نبيل...!
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة.
واضح إنك لسه فاكرني.
نظرت إليه دنيا باستغراب.
حضرتك مين؟
خلع نظارته وقال
اسمي نبيل السيوفي... وكنت المستشار المالي لوالدك آخر عشر سنين من حياته.
قالت دنيا
أول مرة أسمع الاسم ده.
ابتسم بحزن.
طبيعي... لأن والدك كان متعمد يبعد أي حد عن حياته الخاصة في آخر فترة.
فتح حقيبته وأخرج مجلدًا أزرق.
ووضعه أمامها.
ده آخر ملف اشتغل عليه والدك قبل ۏفاته بثلاثة أيام.
فتحت دنيا المجلد.
كان مليئًا بدراسات ومراسلات وعقود تأسيس.
لكن أكثر ما لفت انتباهها ورقة في بدايته مكتوب عليها بخط كبير
لا تُنفذ الخطة إلا بعد موافقة دنيا الشاذلي بنفسها.
قالت بدهشة
باسمي أنا؟
أومأ نبيل.
أيوه.
ثم أضاف
والدك كان مؤمن إن الشركة لازم يكون ليها مستقبل مختلف... مش مجرد تجارة.
سأل طارق
طيب ليه كل السرية دي؟
رد نبيل
لأن محمود الشاذلي كان عارف إن بعد ۏفاته هيحصل خلاف على طريقة إدارة الشركة، فقرر يسيب القرار النهائي لبنته... لكن بعد ما تتأكد إنها قادرة تميز بين اللي بيدور على مصلحة الشركة... واللي بيدور على مصلحته الشخصية.
تأملت دنيا الأوراق.
كل شيء بدأ يترابط أمامها.
الرسائل...
الخزنة...
غرفة الأرشيف...
كلها كانت مراحل وضعها والدها لتختبر صبرها وحكمها.
وفجأة...
أخرج نبيل ظرفًا صغيرًا من جيبه.
وقال
دي آخر حاجة عندي.
فتحت الظرف.
كان بداخله مفتاح نحاسي قديم.
ومعه بطاقة صغيرة كتب عليها
المكتبة العامة للشركة القاعة الشرقية.
استغربت دنيا.
مكتبة؟
ابتسم الرجل المسن.
أغلب الناس فاكرة إنها مجرد مكتبة... لكن والدك كان يقضي فيها ساعات طويلة.
قال عم فؤاد
يمكن يكون فيها الجزء الأخير من الوصية.
هز نبيل رأسه.
أو يمكن... أول جزء من الحقيقة.
نظرت دنيا إلى الجميع، ثم أمسكت المفتاح بقوة.
وقالت بثقة
يبقى محطتنا الجاية... المكتبة.
يتبع...الجزء الرابع عشر
خرجت دنيا ومن معها من غرفة الأرشيف، واتجهوا إلى نهاية الطابق.
كان هناك ممر طويل لم يدخله أحد منذ سنوات.
في آخره باب خشبي عتيق تعلوه لافتة نحاسية كُتب عليها
المكتبة الخاصة.
أدخلت دنيا المفتاح النحاسي.
سمعوا صوت القفل يدور ببطء.
فتح الباب...
وانبعثت رائحة الكتب القديمة.
كانت المكتبة ضخمة، تمتد من الأرض حتى السقف، ومليئة بآلاف الكتب والملفات المرتبة بعناية.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباه دنيا.
في منتصف المكتبة...
مكتب صغير عليه إطار صورة.
اقتربت منه.
كانت الصورة تجمع والدها مع والدتها، وهما يبتسمان، وبينهما طفلة صغيرة... هي.
ابتسمت لأول مرة منذ بدأت رحلتها.
قال الرجل المسن
كان بيقعد هنا كل يوم تقريبًا.
وبينما كانت تتأمل المكان، لاحظت كتابًا موضوعًا وحده على المكتب، وكأنه تُرك بالأمس.
عنوانه
فن اتخاذ القرار.
فتحته.
لم تجد أي كلمات.
كل الصفحات كانت بيضاء.
تعجبت.
ثم وقعت عينها على آخر صفحة.
كانت هناك جملة واحدة بخط والدها
مش كل كتاب بيتقري... بعض الكتب بتتفتح.
قال طارق
يقصد إيه؟
أخذت دنيا الكتاب بين يديها.
قلبته من جميع الجهات.
ثم ضغطت عليه دون قصد.
فصدر صوت تك.
وفجأة...
تحرك أحد أرفف المكتبة ببطء إلى الجانب.
ظهر خلفه ممر ضيق.
نظر الجميع لبعضهم في دهشة.
قال عم فؤاد مبتسمًا
والدك كان بيعشق الأبواب السرية.
دخلوا الممر.
وفي نهايته كانت غرفة صغيرة جدًا.
لا يوجد فيها سوى طاولة خشبية، وكرسي، وصندوق أسود.
وعلى الحائط لوحة مكتوب عليها
إذا وصلت إلى هنا... فأنت لم تعد تبحث عن سر، بل عن مسؤولية.
اقتربت دنيا من الصندوق.
لم يكن عليه أي قفل.
رفعته.
وجدت بداخله دفترًا جلديًا جديدًا، وعلى غلافه اسم واحد
دنيا.
ارتجفت يداها.
فتحته ببطء.
في أول صفحة كتب والدها
يا بنتي... لو قرأتي السطور دي، يبقى قدرتي توصلي بنفسك، من غير ما حد يقودك. وده كان هدفي من البداية.
قلبت الصفحة الثانية.
وجدت قائمة طويلة بأسماء عشرات الموظفين القدامى.
وبجوار كل اسم ملاحظة بخط والدها.
من يثق فيه...
ومن يحتاج فرصة...
ومن يستحق التقدير.
قالت دنيا بدهشة
بابا كان كاتب عن كل واحد!
ابتسم نبيل وقال
كان بيؤمن إن نجاح أي شركة بيبدأ بالناس... مش بالمباني ولا الأموال.
ثم قلبت الصفحة التالية...
فتوقفت فجأة.
لأنها وجدت رسالة جديدة تبدأ بعبارة
أما بخصوص كريم...
تجمدت في مكانها.
وأسرعت تقرأ أول سطر...
يتبع...الجزء الخامس عشر
تسارعت أنفاس دنيا وهي تقلب الصفحة بالكامل.
كان خط والدها واضحًا، كأنه كتب الرسالة بالأمس.
أما بخصوص كريم...
توقفت لحظة، ثم أكملت القراءة.
أنا قابلته أكثر من مرة، ووجدته شابًا مجتهدًا، ويحب عمله، لكنه يحمل على كتفيه مسؤوليات كبيرة. لذلك قررت ألا أحكم عليه بسرعة، وأترك لكِ أنتِ فرصة أن تعرفيه بنفسك.
رفعت دنيا رأسها بدهشة.
يعني... بابا ماكانش رافضه؟
قال نبيل
واضح إنه كان عايز يدي لكل إنسان فرصته.
واصلت القراءة.
لو اخترتِ كريم شريكًا لحياتك، فاحترمي اختيارك. لكن لا تسمحي أبدًا أن يكون أي قرار يخص الشركة مبنيًا على العاطفة وحدها.
ساد الصمت.
قال طارق
والدك كان بيفصل بين الأسرة والشغل.
أومأت دنيا برأسها.
ثم قلبت الصفحة التالية.
وجدت عنوانًا كبيرًا
خطة السنوات العشر.
كانت عبارة عن رؤية كاملة لتطوير الشركة، وإنشاء مستشفى خيري،
ومركز أبحاث، ومنح دراسية للطلاب المتفوقين، وصندوق لدعم المشروعات الصغيرة.
قال عم فؤاد وهو يبتسم
دي نفس الأحلام اللي كان بيحكيهالنا في الاجتماعات.
وفجأة...
سقطت ورقة صغيرة من بين صفحات الدفتر.
التقطتها دنيا.
كانت عبارة عن بطاقة دخول إلكترونية.
مكتوب عليها
قاعة مجلس الإدارة.
وفي الخلف عبارة قصيرة
الاجتماع الأخير... لم ينتهِ.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال نبيل
قاعة مجلس الإدارة مقفولة من يوم ۏفاة والدك... ومحدش ډخلها بعدها.
ابتسمت دنيا لأول مرة بثقة.
يبقى هنكمل الطريق.
أغلقت الدفتر بحرص، وحملته بين يديها.
ثم خرجوا من الغرفة السرية متجهين إلى القاعة، وكل واحد منهم يشعر أن الخطوة القادمة ستكشف جزءًا جديدًا من قصة بدأها محمود الشاذلي منذ سنوات... ولم تنتهِ بعد.
يتبع...النهاية
وصلت دنيا إلى قاعة مجلس الإدارة.
وضعت بطاقة الدخول الإلكترونية على الجهاز.
صدر صوت قصير...
ثم فُتح الباب لأول مرة منذ سنوات.
دخل الجميع.
كانت القاعة كما تركها والدها في آخر اجتماع.
في منتصفها طاولة طويلة، وعلى كل مقعد لوحة باسم صاحبه.
لكن مقعدًا واحدًا كان خاليًا.
أمام المقعد شاشة كبيرة أضاءت تلقائيًا.
وظهر والدها محمود الشاذلي في تسجيل جديد.
ابتسم وقال
لو وصلتي لهنا يا دنيا... يبقى نجحتي.
حبست دموعها.
تابع والدها
كل اللي عديتي بيه ماكانش علشان تخبي فلوس... ولا علشان تدوري على كنز.
كنت عايز أتأكد إن اللي هيقود الشركة بعدي، يعرف يسمع، ويفكر، ويبحث بنفسه قبل ما يحكم على الناس.
ثم ظهرت على الشاشة صور لكل الأشخاص الذين ساعدوها.
عم فؤاد...
عادل...
طارق...
نبيل...
والحارس.
وقال
دول ناس حافظوا على الأمانة سنين طويلة، من غير ما ياخدوا مقابل، وده أكبر دليل إن النجاح الحقيقي بيقوم على الثقة.
ثم ظهرت صورة كريم.
تجمدت دنيا.
قال والدها
أما كريم... فقد أعطيته فرصة مثل أي إنسان. إذا كان بينكما خلاف، فحلّوه بالحوار والعدل، بعيدًا عن الشركة.
ثم ابتسم.
الشركة ليست ميراثًا للعائلة فقط... بل مسؤولية تجاه آلاف الموظفين والأسر.
انتهى التسجيل.
ساد الصمت داخل القاعة.
التفتت دنيا إلى الجميع.
وقالت بثبات
أنا مش هدور على الماضي تاني... هبدأ أبني المستقبل.
وفي الأيام التالية...
دعت كل العاملين القدامى إلى
اجتماع.
أعادت فتح الشركة.
وأعلنت تنفيذ حلم والدها.
بدأ العمل في أول مستشفى خيري يحمل اسم محمود الشاذلي.
ثم أُنشئت منح دراسية للشباب، ومراكز تدريب، وصندوق لدعم المشروعات الصغيرة.
أما كريم...
فجلس مع دنيا جلسة طويلة.
تحدثا بهدوء عن كل ما حدث من سوء فهم، وعن القرارات التي اتُّخذت دون أن يتصارحا.
وفي النهاية، اتفقا على أن تكون علاقتهم مبنية على الصراحة والاحترام، وأن تبقى إدارة الشركة مستقلة وفق وصية والدها.
بعد عامين...
وقفت دنيا أمام المستشفى الجديد في يوم الافتتاح.
رفعت رأسها إلى اللافتة الكبيرة.
وتذكرت آخر جملة كتبها والدها في دفتره
الثروة الحقيقية ليست ما تملكه... بل ما تتركه أثرًا بعد رحيلك.
ابتسمت وهي تنظر إلى الناس يدخلون المستشفى لتلقي العلاج.
وعرفت أخيرًا...
أن السر الذي تركه والدها لم يكن ملفًا مخفيًا...
ولا خزنة...
ولا مفتاحًا.
كان فكرة...
أن يبقى الخير حيًا، حتى بعد رحيل صاحبه.
تمت.

تم نسخ الرابط