القصة كاملة بقلم محمد عبده

موقع أيام نيوز

في يوم تخرّجي، طلبت مني أمي أدفع مصاريف جامعة أختي أو ما أرجعش البيت تاني
كانت أمي مستنية لحد ما لسه لابسة روب التخرج علشان تقولي إني بقيت مش مرحب بيا في العيلة.
حفل التخرج في جامعة الإسكندرية كان خلص من أقل من عشرين دقيقة. حواليّ مئات الطلبة بيضحكوا، بيعيطوا، بياخدوا صور، وبيحضنوا أهاليهم اللي استنوا اللحظة دي سنين. بوكيهات الورد بتلمع تحت شمس إسكندرية، وصوت فرقعة العصير الغازي جاي من ناحية النافورة. صاحبتي في السكن، مي، كانت لسه مدياني ورد أصفر وقالتلي بهمس
عملتيها يا إيرين.
للحظة واحدة كاملة صدّقتها.
وفجأة حسّيت بإيد بتقبض على معصمي.
إيرين، قالت أمي. محتاجين نتكلم لوحدنا.
لفّيت وشفت سوزان حسن واقفة ورايا، لابسة فستان كحلي، وشعرها الأشقر مترتب حوالين كتافها. شكلها هادي، متماسك كأنها أم مثالية. كنت باعتالها دعوة من شهور، لكنها ما ردّتش. طول الأربع سنين كانت بتكلمني مرتين بس، وتبعتلي رسايل أعياد ميلاد باردة زي إشعارات البنك.
ومع ذلك كانت هناك.
أمي سافرت من القاهرة للإسكندرية علشاني.
جزء غبي جوايا رقّ فجأة.
يمكن جت تعتذر.
يمكن شافتني وأنا باخد الشهادة وافتكرت إني بنتها.
يمكن هتحضني أخيرًا وتقول الكلمة اللي مستنياها من وأنا عندي عشر سنين.
بصّيت على الكاميرا الصغيرة المتثبتة تحت الروب. جدتي، مارجريت، كانت تعبانة ومقدرتش تيجي، فصاحبي كريم ساعدني أبث الحفل لايف ليها. كانت شافت اسمي، وشافتني وأنا باستلم الشهادة، وعيطت وقالتلي إن بابا كان هيفتخر بيا.
ونسيت إن الكاميرا لسه شغالة.
أمي أخدتني بعيد عن الناس، ووقفنا تحت شجرة جاكراندا على طرف الجنينة.
فضلت تبصلي من فوق لتحت شوية.
أنا فخورة بيكي، قالت أخيرًا.
الكلمة دخلت جوايا لدرجة إني نسيت أتنفس.
استنيتها سنين.
استنيتها وأنا باخد منحة رياضية في المدرسة.
استنيتها وأنا بشتغل شفتين في مكتبة الجامعة.
استنيتها في كل عيد قضيتُه لوحدي وهي بتنزل صورها مع بنت جوزها.
شكرًا، قلتها بهدوء.
أمي أخدت نفس عميق.
دلوقتي بعد ما اتخرجتي وهتقبضي فلوس حقيقية، لازم نتكلم عن مصاريف جامعة ماديسون.
افتكرت إني سامعة غلط.
مصاريف إيه؟
جامعة ماديسون. اتقبلت في جامعة خاصة جنب القاهرة الجديدة. جامعة ممتازة، بس الدعم المالي مش كفاية.
بصّيتلها بعدم استيعاب.
وده إيه علاقته بيا؟
وشها شدّ.
دي أختك.
لأ دي بنت ريتشارد.
بلاش نرجع للكلام ده.
كلام إيه؟
العند الطفولي ده. إنتي عندك 22 سنة يا إيرين، كفاية بقى.
بصّيت حواليّ، كأني مستنية حد يطلع يقول إنها هزار.
لكن كل اللي شفته عائلات بتحتفل تحت الشمس.
إنتي رفضتي تساعديني أدخل جامعة، قلت. قلتي بتوفري لماديسون.
الظروف اتغيرت.
إيه الظروف؟
مصروفات شغل ريتشارد وقف شوية عملنا إعادة تمويل للبيت وماديسون تستاهل تدخل الجامعة اللي عايزاها.
وأنا كمان كنت أستاهل.
فكها شدّ أكتر.
إنتي كان عندك جدتك.
كان عندي جدتي لأنك سيبتيني.
أنا ما سيبتكيش. أنا ربيتك.
إنتي استحملتيني لحد ما مشيت.
قربت مني وخفضت صوتها
أنا عملت كل حاجة بعد ما أبوكي ماټ. إنتي مش عارفة ضحّيت بإيه.
أنا عارفة كويس ضحيتي بيا.
إيدها شدّت على معصمي.
الورد وقع من إيدي على الأرض.
اسمعي كويس، همست. مصاريف ماديسون حوالي مليون ونص جنيه في السنة. مش طالبين تدفعي كله مرة واحدة. ممكن تاخدي قرض، تدفعي شهري، أو تمضي معاها.
ضحكت بسخرية.
عايزاني آخد قرض علشان البنت اللي اخترتيها عليّا؟
دي عيلة.
دي كانت بتكسر حاجتي، وتبوظ مذاكرتي، وتخبي حاجتي قبل المسابقات، وسكبت طلاء أظافر على آخر قميص بابا جابهولي وإنتي قلتي مجرد هدوم.
كنتم أطفال.
كانت مؤذية وإنتي كافأتيها.
وش أمي اتغير. القناع اللي كانت لابساه قدام الناس وقع.
إنتي دايمًا درامية.
وإنتي دايمًا بتصدقيها.
مش هنتكلم في تفاهات الطفولة. أنا جاية أتكلم عن المستقبل.
مستقبلي مش هيدفع لماديسون.
فكري كويس قبل ما تردي.
أنا فكرت.
قربت مني لدرجة إني شمّيت عطرها.
لو رفضتي ما ترجعيش

تم نسخ الرابط