ابن اختى حكايات بسمة
خجول أنا محمد، كنت أساعد سلوى طوال السنين دي، كنت أجلب لها الطعام والدواء، وشعرت بالذنب الشديد لما مرضت، فأخبرت المحامي بمكانها، و آسف جداً لأنني تأخرت.
دخل محمد، وأعطاني حقيبة صغيرة قال إنها سلمتها له سلوى قبل ۏفاتها، وقالت له إنها لي. فتحتها، ووجدت فيها صوراً قديمة لنا ونحن أطفال، ورسالة مكتوبة بخطها الجميل، تقول فيها أخي الغالي إذا ضاق بك الحال، تذكر أن الحب بيننا أقوى من أي غدر، وأن الحق سيعود لمكانه مهما طال الزمن. أحبك دائماً.
الفصل الرابع العدالة التي تأخرت لكنها لم تمت
بعد أيام، تقدمنا بكل الأوراق والأدلة للنيابة العامة، وبدأت التحقيقات الرسمية. اعترف الرجلان اللذان كانا يحرسان سلوى بكل ما فعلوه، واعترفا بأن فاطمة هي التي دفعت لهم المال ليفعلوا ذلك، وقدم المحامي كل كشوف الحسابات التي تثبت تحويل الأموال من حساب سلوى وياسين لحساب فاطمة، بالإضافة للدفتر الذي كان يحتوي على الحسابات المفصلة التي كانت تحسبها لياسين، والرسائل التي كانت سلوى ترسلها ولا تصلنا.
في الجلسة الأولى للمحكمة، وقفت فاطمة أمام القاضي، وبكت طويلاً، واعترفت بكل ما فعلته، وقالت بصوت ضعيف كنت غاضبة، غاضبة جداً لأن زوجي كان يهتم بأخته أكثر مني، وكنت أظن أن هذه الثروة حق لي ولأولادي، وأن سلوى وياسين لن يحتاجوا لها. ولم أتخيل أن هذا الظلم سيكون بهذا القدر، ولم أدرك أنني أؤذي أجمل ما أملك في الحياة، وأخسر كل شيء مقابل شيء لا قيمة له.
صدر الحكم النهائي بالسجن لمدة خمس عشرة سنة، ومصادرة كل الأموال التي استولت عليها، وإعادتها لياسين، بالإضافة لغرامات مالية تعويضية عن الأضرار النفسية التي تعرضت لها سلوى وياسين.
عندما سمعت الحكم، لم أشعر بالسعادة، ولا
بالاڼتقام، بل شعرت بالحزن العميق، لأن عائلتنا تحطمت، ولأننا خسرنا سنوات لا يمكن استردادها، ولأن أختي لم تر النهاية العادلة لما تعرضت له. لكنني كنت مطمئناً لأن الحق قد ظهر، ولأن ياسين سيعيش بسلام، ولن يضطر بعد اليوم لدفع ثمن وجوده في أي مكان.
قمت ببيع جزء من أملاك سلوى، واشتريت شقة كبيرة في نفس المبنى الذي نعيش فيه، ليكون ياسين قريباً منا، وقررت أن أسجل كل ما أملك من أملاك باسمه وباسم أولادي، ليكونوا جميعاً في مرتبة واحدة، ولا يشعر أحد منهم بأنه أقل من الآخر.
عندما سألني أولادي عن ما حدث، أخبرتهم الحقيقة كاملة، وشرحت لهم أن الظلم مهما طال زمنه لا يدوم، وأن الأقارب يجب أن يكونوا ملاذاً لبعضهم البعض، لا مصدر خوف وقلق، وأن الحب هو الشيء الوحيد الذي يبقى معنا في النهاية.
الفصل الخامس البداية الجديدة التي استحقت الانتظار
بعد أشهر، ذهبت مع ياسين لزيارة قبر سلوى، ووضعنا الزهور عليه، وقف ياسين طويلاً بصمت، ثم قال بصوت هادئ ماما أنا بخير، وخالي معايا، والكل بيحبني، ولا يوجد دين بعد اليوم. أرتحي يا ماما، الحق ظهر، والظالم أخذ جزاءه.
عدنا للبيت، وكان هناك طعام نحبه جميعاً، وضحكنا، وتحدثنا عن المستقبل، وعن الخطط التي يريد ياسين تنفيذها، وعن الجامعة التي يريد الالتحاق بها، وعن الأحلام التي كان يخبئها في قلبه طويلاً.
أمسكت بالحصالة القديمة التي كانت تحت سريره، وتأملتها، هذه الحصالة التي كانت رمزاً لخوفه وقلقه، أصبحت الآن رمزاً لصمده وثباته، وكيف استطاع أن يحافظ على نفسه
رغم كل ما مر به. قررنا أن نحتفظ بها كتذكير، لنتذكر دائماً كيف كان البداية، وكيف يجب أن نكون دائماً بجانب بعضنا البعض.
في المساء، جلس ياسين بجانبي، وقال لي تعرف
يا خالي طول الفترة دي، كنت أتساءل ليه ربنا سمح بكل ده يصير لي، واليوم عرفت الإجابة. عشان أتعلم إن الحب الحقيقي مش بيحتاج مقابل، وإن الأمان الحقيقي بيكون في القلوب الصادقة، وإن الحق مهما طال الزمن لابد يظهر.
وضع يده على كتفي، وأكمل وأنا عايزك تعرف إنك لم تكن مجرد خال لي، لقد كنت أبي، وكنت أماني، وكنت كل ما أملك في الدنيا.
دموعي تسيل مرة أخرى، لكن هذه المرة دموع سعادة واطمئنان، فقد انتهى الفصل المظلم من حياتنا، وبدأت رحلة جديدة، مليئة بالحب والعدالة، والقرب من الله، والثقة بأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن الله سيجعل من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً.
لم يكن دين الأكل والشرب هو ما كان يملأ الحصالة، بل كان دين الحب والوفاء، دين الثقة التي لم تمت رغم كل الجراح، دين الأمل الذي ظل يضيء الطريق حتى في أحلك الليالي. واليوم، دفعنا كل الديون، وفتحنا صفحة بيضاء، نكتب فيها معاً قصة حب لا تنتهي، وعائلة تتعافى من چروحها، ومستقبل نستحقه بجدارة.
في النهاية، تعلمنا أن البيت لا يُبنى بالجدران والأموال، بل يُبنى بالحب والصدق والعدالة، وأن أقوى ما نملكه هو علاقاتنا ببعضنا، وأن الخېانة والظلم لا يبنيان شيئاً، بل يهدمان كل ما يصل إليهما، وأن الحقيقة مهما طال غيابها، ستعود يوماً لتشرق كالشمس، وتزيل كل الظلام.
تمت القصة بحمد الله