ابن اختى حكايات بسمة
المحتويات
وأسرته، فثقت بزوجته ثقة عمياء.
نظرت لمراتي فاطمة، التي كانت تنظر للأرض بلا حراك، وكأنها تعترف بكل كلمة تُقال.
تابع المحامي في يوم من الأيام، جاءت فاطمة لسلوى وقالت لها إن هناك مشكلة في أوراق الميراث، وأنها تحتاج لتوقيعها على أوراق رسمية لتثبت أنها الوارثة الوحيدة لابنها. وأخذتها لمنزل بعيد في منطقة المرج، وهناك كانت بانتظارها رجلان تعملان مع فاطمة، وحبساها في غرفة صغيرة لا تطل إلا على جدار، ومنعوها من التحدث مع أي أحد، أو الخروج، أو حتى معرفة الوقت.
شعرت بدموعي تسيل بلا توقف، وتخيلت أختي الجميلة القوية، التي كانت تضحك دائماً وتملأ البيت فرحاً، وهي تعيش عشر سنين في غرفة ضيقة، وحدها، لا تعرف لماذا هي هناك، ولا إذا كان ابنها بخير، ولا إذا كان أخيها سيعرف يوماً بمكانها.
قال ياسين بصوت هادئ مليء بالألم أنا شعرت بشيء غريب من أول يوم يا خالي. طنط فاطمة كانت تقول لي ماما سافرت لعلاج في الخارج، وإنها طلبت مني أكون طفلاً جيداً حتى ترضى عني لما ترجع. وبعد فترة بدأت تقول لي إن ماما مش عايزة ترجع، وإنها تفضلني أعيش معاكم، وإنها مش عايزة تتكلم مع حد. وكنت أصدقها في البداية، لكنني كنت أحلم بها كل ليلة، وأحس إنها تناديني، وإنها محتاجة لي.
أخرج الدفتر القديم الذي كان قد أحضره من غرفته، وفتحه على الصفحات الأولى، وبدأت أقرأ الكلمات الصغيرة المرتبكة التي كتبتها يده الصغيرة قبل عشر سنين
اليوم طنط قالت لي الفطار بعشرة جنيه، والغدا بثلاثين. لازم أكون شاطر عشان أقدر أدفعهم لما أكبر. ماما كانت تقول لي إن الحلال لازم تدفع ثمنه، فالأكل اللي بآكله هنا لازم أدفع ثمنه. خالي رضا طيب جداً، لكن طنط تقول لي إن هو مش ملزم يصرف عليا، وإن لو عرف كم تكلفتي هيرجعني لمكان تاني. مش عايز أروح لمكان تاني، عايز أكون قريب من خالي ومن أولادي، وعايز أستنى ماما ترجع.
أغلقت الدفتر بيدي، وشعرت بالغصة تملأ حلقي، فلا أستطيع الكلام. كنت أظن أنني أعطي هذا الطفل الأمان، وكنت أسمح لمن أثق بها أن تغرس في قلبه الخۏف من أن يصبح عبئاً على من حوله، وأن وجوده في هذا البيت هو امتياز لا يستحقه إلا إذا دفع ثمنه بكل ما يملك.
قال المحامي فاطمة كانت تستخدم خوف ياسين كأداة، فكلما حاول أن يتحدث عن أمه، كانت تهدده بأنها ستخبرك بأنه يريد المغادرة، وأنك ستتخلى عنه، وكلما طلب شيئاً، ذكرته بحساباته التي تزيد يوماً بعد يوم. وفي نفس الوقت، كانت تتحكم في كل أموال سلوى وياسين، وتقول لكم إنها تصرف من مصروفها الخاص، بينما كانت تخصم كل شهر مبلغاً كبيراً من وديعته، وتضيفه لحسابها الخاص.
ثم أشار للخزنة التي ذكرها ياسين والخزنة التي تحت سرير فاطمة، كانت تحتوي على الأوراق الرسمية للميراث، والشهادات، والصكوك، بالإضافة إلى رسائل كانت سلوى ترسلها لفاطمة تطلب فيها أن ترى ابنها، أو أن تتحدث مع أخيها، وكانت فاطمة تحتفظ بها وتمنع وصولها لأحد.
تذكرت الآن الأشياء الغريبة التي كنت ألاحظها ولا أجد لها تفسيراً كانت فاطمة دائماً ما تمنعني من الحديث عن سلوى أمام ياسين، تقول إن هذا يؤلمه، وكانت ترفض أن نزور أي أقارب يعرفونها، وتقول إنهم سيتحدثون بكلام يزعج الطفل، وكانت دائماً ما تتجنب أي سؤال عن أسباب عدم وجود أوراق الميراث، وتقول إنها سلمتها للجهات المختصة، وإن الأمور تحتاج لوقت طويل.
كنت
أعمى، أعمى بالكامل،
لثقتي المفرطة،
متابعة القراءة