ابن اختى حكايات بسمة

موقع أيام نيوز

التأخير.
دعوته للدخول دون أن أتكلم، وجلسنا في الصالة، والصمت يملأ المكان إلا من صوت تنفسي الثقيل، وبكاء ياسين المكتوم، وحركات مراتي العصبية التي كانت ټضرب أصابعها ببعضها كمن ينتظر نهاية حتمية.
بدأت أسترجع الأيام الأولى التي جاء فيها ياسين إلينا كان عمره ثماني سنين، نحيفاً، عيناه كبيرتين مليئتين بالخۏف والارتباك، يمسك بثيابي كأنها ملجأه الوحيد في العالم. قلت له حينها البيت بيتك يا ياسين، وأنا أبوك قبل ما أكون خالك، وكنت أصدق كل كلمة قلتها، لم أكن أعلم أن هناك من ينسج خيوط الشړ خلف ظهري، ويحول هذا البيت الذي أردته ملاذاً لسجن خفي لا يراه أحد.
كنت أتساءل دائماً لماذا كان الطفل هادئاً أكثر من اللزوم، لماذا لا يطلب شيئاً، لماذا عندما يطلب أولادي شيئاً من الحلويات أو الألعاب يقول هو أنا مش جعان، مش محتاج حاجة. ظننت أنه مكسوف، أو أنه يحس بالغربة، أو أنه يحاول أن يكون طفلاً جيداً حتى لا نرفضه ولم أدرك أنه كان يعيش تحت ضغط رهيب، يحسب كل نفس يتنفسه في هذا البيت كدين يجب أن يسدده يوماً ما.
نظرت لمراتي وقلت بصوت مرتجف أخبريني الحقيقة الآن كل ما سمعته صحيح؟ سلوى كانت عايشة طوال العشر سنين دي؟ وأنتِ اللي حبستيها؟ واخدتي فلوس ياسين؟ وحسبتي عليه الأكل والشرب والكهربا؟ كل ده وأنتِ تحت سقفي؟
بدأت تتراجع للخلف، وقالت بصوت مرتعش لا يا رضا، لا تصدقهم، هم كذابين، سلوى هي اللي هي اللي كانت عايزة تسيب ابنها وتسافر، فقلت لها تفضل معانا وأنا أتكفل به، و والفلوس اللي أخذتها كنت بصرفها عليه، كلها كانت تروح له، والدفتر كان مجرد تعليم للمسؤولية، مش أكتر من كده!
تعليم مسؤولية؟! صړخت بصوت
عالٍ حتى ارتدت الجدران صدى صوتي. تعليم مسؤولية لطفل يتيم فقد أبوه وأمه في يوم واحد؟ تعليمه إن وجوده في بيت خاله نعمة تُدفع ثمنها بكل ما يملك؟ تعليمه إن كل لقمة يأكلها هي دين يلاحقه طول عمره؟ وأنتِ تعرفين إن أمه كانت عايشة وممنوعة من رؤيته؟ وتقولي لي تعليم مسؤولية؟!
سكتت فجأة، وبدأت دموعها تسيل على وجهها، لكنني لم أعد أشعر بأي شفقة تجاهها. عشر سنين عشر سنين وأنا أدفع من عمري وقلبي لابن أختي، وأظن أنني أكرمه، وأنا في الحقيقة كنت أسمح بابتزازه وتعذيبه تحت سقفي، بيد من كنت أثق بها أكثر من أي شخص آخر.
الفصل الثاني ما كشفته الدفاتر والخزائن
تقدم المحامي وفتح الملف الذي كان يحمله، وقال سأروي لكم القصة كاملة من البداية، كما عرفتها من سلوى نفسها قبل ۏفاتها، وكما تثبته كل الأوراق والشهادات.
أخذ نفساً عميقاً وبدأ قبل ۏفاة زوج سلوى، كان يملك شركة تجارية كبيرة، وترك لزوجته وابنه ثروة كبيرة، بالإضافة إلى شقة فاخرة في التجمع الخامس، وقطعة أرض في العبور، ووديعة بنكية تقدر بثلاثة ملايين ونصف المليون جنيه. لم يكن أحد يعرف بتفاصيل هذه التركة إلا سلوى وزوجها، لأنها كانت أملاكاً جمعاها بجهد سنوات طويلة، وفضلوا إبقاؤها سراً حتى يكبر ياسين ويتعلم كيف يديرها.
توقف قليلاً، ثم أكمل بصوت حزين بعد ۏفاة زوجها، بدأت المشاكل تظهر. كانت لزوجها شريكة في العمل، وهي السيدة فاطمة زوجة أخيها رضا أي حضرتك التي كانت تعرف بعض المعلومات عن حجم التركة، وبدأت تتقرب من سلوى، وتدعي أنها تريد مساعدتها في ترتيب أوراق الميراث. في تلك الفترة، كانت سلوى تعاني من ضغط نفسي شديد، وكانت تشعر بالوحدة، فلم يكن لديها
أحد غير أخيها
تم نسخ الرابط