اتبنيت طفلتين
بعيدة لتوفير أفضل تعليم ومستوى معيشي لهما. حرمت نفسي من كل مباهج الحياة؛ لم أسافر قط في رحلة استجمام، ولم أشتر ثيابًا جديدة لنفسي إلا في الضيق، واستغنيت عن كل رفاهية يمكن تخيلها. كان كل قرش أكسبه يذهب لدروسهما، لملابسهما الجميلة، ولألعابهما التي كنت أحرص ألا تحرمهما من شيء شعرت أن أقرانهما يمتلكونه. ووسط كل هذا التعب والكدح، لم أشعر يومًا واحدًا بالندم أو الضيق. بل على العكس، كنت أرى في ابتسامة حنين وذكائها المتقد، وفي رقة فرح وموهبتها في الرسم، المكافأة الأعظم التي يمكن لإنساٍن أن يحصل عليها في الوجود. كنت إذا رجع بي الزمن ألف مرة، سأختار نفس الطريق، وسأركض نحو تلك الغرفة الخشبية على الشاطئ لألتقطهما وأضمهما إلى صدري.
مرت السنين سريعة كخطى البرق، وكبرت الفتاتان وأصبحتا شابتين يافعتين يشار إليهما بالبنان في الأدب والأخلاق والتفوق الدراسي. التفتت السنوات وبات موعد عيد ميلادهما الثامن عشر يقترب، وهو السن القانوني الذي تصبحان فيه بالغتین. خططت ليكون هذا اليوم مميزًا للغاية، دعوت صديقي الوفي ماجد وعائلته، وأعددت حفلاً منزلياً دافئاً مليئاً بالزينة والأنوار، وصنعت لهما قالب حلوى كبيراً يحمل صورتيهما معاً وهما تبتسمان. كانت ليلة الجمعة الماضية هي ليلة الحفل، غنينا وضحكنا وتبادلنا الهدايا، ورأيت الفرحة تشع من أعينهما، لكنني، بحكم معرفتي الدقيقة بتفاصيل ملامحهما وحركاتهما، لاحظت منذ بداية السهرة أن هناك غلالة رفيعة من القلق والوجوم تغطي عيون حنين وفرح. كانتا تتبادلان نظرات غامضة وطويلة طوال الوقت، وكأن هناك سرًا ثقيلاً يجثم فوق صدريهما ويكتم أنفاسهما، وظننت في البداية أنه قلق الامتحانات الثانوية العامة أو رهبة الانتقال لمرحلة الجامعة، ولم أشأ أن أفسد عليهما فرحة الليلة بالأسئلة. انتهى الحفل وغادر الضيوف، وساعدتاني في تنظيف المكان بهدوء غير معتاد، ثم استأذنتا للصعود إلى غرفتهما في الطابق العلوي لتغيير ملابسهما. جلست أنا في غرفة المعيشة، أرتشف بقايا كوب من الشاي، وأتأمل صور الشابتين المعلقة على الجدران بشعور بالفخر والرضا عما أنجزته في حياتي.
بعد نحو نصف ساعة، سمعت خطواتهما الثقيلة تنزل على السلالم الخشبية. الټفت، فوجدت حنين تتقدم بخطى مترددة، تتبعها فرح التي كانت تطأطئ رأسها نحو الأرض. والمفاجأة التي جعلتني أعتدل في جلستي هي أن كل واحدة منهما كانت تحس بيديها صرة قماشية مألوفة جداً بالنسبة لي. كانت حنين تحمل الفوطة القطنية البيضاء، وفرح تحمل الفوطة الوردية الناعمة؛ الفوطتان اللتان عثرت عليهما فيهما منذ ثمانية عشر عاماً، واللتان كنت أحتفظ بهما في الصندوق الخشبي المغلق في خزانتي! تقدمتا نحو طاولة السفرة الكبيرة في وسط الغرفة، ووضعتا الفوطتين بهدوء شديد وبحذر وكأنهما تضعان قنبلة موقوتة. تقدمت حنين نحوي، وأمسكت بيدي بكلتا يديها، وكانت كفاها باردتين كالثلج وتتأرجحان بارتعاش واهن، نظرت في عيني مباشرة وقالت بصوت متحشرج، كله خوف وړعب حقيقي يا بابا... أرجوك، إوعى تكرهنا بعد اللي هتشوفه دلوقتي... إحنا بنحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا. التفتتُ إلى فرح، فوجدتها تهز رأسها بالموافقة والدموع تفيض من عينيها بغزارة وتنحدر على وجنتيها، وقالت بنبرة باكية ومستسلمة لازم تعرف الحقيقة يا بابا... الحقيقة كاملة.
شبح الخۏف القديم استيقظ في أعماقي، وشعرت بقلبي يبدأ بالدق پعنف شديد كطبول الحړب، والدم ينبض في صدغي بقوة آلمتني. وقفت على قدمين مرتجفتين، وتحركت نحو طاولة السفرة، بينما تراجعتا هما خطوتين إلى الخلف وقفتا متشابكتي الأيدي وكأنهما تنتظران حكم الإعدام. مددت يدي التي كانت ترتعش بشكل ملحوظ نحو الفوطة