اتبنيت طفلتين

موقع أيام نيوز


كانت معه، وعندما رآني ملقى على الأريكة بلحية كثة وجسد نحيل وعينين غائرتين، لم يتكلم كثيرًا. مشى في أرجاء الشقة، جمع بعض ثيابي بعشوائية ووضعها في حقيبة صغيرة، ثم أمسكني من ذراعي بقوة وعزيمة لم أستطع مقاومتها بسبب ضعفي الجسدي والنفسي، وقال بنبرة حاسمة ومؤثرة لو تركتك هنا يومًا واحدًا إضافيًا، سوف ټدفن نفسك بيدك يا صديقي، ولن أسمح لك بفعل هذا. قادني إلى سيارته ورمى الحقيبة في المقعد الخلفي، وانطلق بنا خارج حدود العاصمة المخڼوقة.
كان ماجد يأخذني إلى بلدة ساحلية نائية وهادئة، مكان لم يزره المصطافون بعد لأننا كنا في أواخر فصل الربيع والطقس لا يزال يميل إلى البرودة والرياح قوية. طوال الطريق الذي استغرق ساعات، لم أنطق بكلمة واحدة، ولم يحاول هو إجباري على الحديث، كان يدرك بحكمته أن الحزن الصامت يحتاج إلى مساحة ليتنفس. وصلنا إلى شاليه صغير يطل مباشرة على البحر، كان صوت الأمواج المتلاطمة پعنف هو الصوت الوحيد الذي يكسر الصمت. قضينا اليوم الأول واليوم الثاني نتمشى على الشاطئ الطويل المهجور، أقدامنا تغوص في الرمل المبلل، وعيناي معلقتان بالأفق البعيد حيث تلتقي السماء الرمادية بالبحر الغاضب. وقبل غروب شمس اليوم الثالث، شعرت برغبة في الانفراد بنفسي، فابتعدت قليلًا عن ماجد الذي تظاهر بالانشغال بإشعال ڼار صغيرة للتدفئة. مشيت باتجاه مجموعة من الغرف الخشبية القديمة المخصصة لتغيير الملابس على الشاطئ، وهي غرف كانت مهجورة في هذا الوقت من السنة ومتهالكة بفعل الرطوبة وملوحة البحر. نسيم الغروب البارد كان يلفح وجهي، والظلام بدأ ينسج خيوطه الأولى على الرمال. وعندما اقتربت من الغرفة الأخيرة التي كان يتدلى من بابها بقايا ستار قماشي مهترئ، توقفت فجأة وكأن صاعقة ضړبت الأرض تحت قدمي. وسط هتاف الأمواج وصوت الريح، تناهى إلى مسامعي صوت رفيع، متقطع، وواهن للغاية. كان صوت بكاء طفل صغير. حبست أنفاسي وظننت أن عقلي المړيض بدأ يبتكر هلاوس بصرية وسمعية ليعذبني، لكن الصوت تكرر، هذه المرة بشكل أوضح، وتبعه على الفور صوت بكاء ثانٍ نابع من نفس المكان.
تحركت غريزتي قبل عقلي، واندفعت نحو الستار المهترئ وسحبته بقوة. في العتمة الخفيفة داخل الغرفة الخشبية الضيقة، وعلى الرمل الناعم الذي تسلل عبر الشقوق، رأيت مشهدًا جمد الډماء في عروقي. كانت هناك طفلتان توأم، حديثتا الولادة بشكل واضح، إذ كانت بشرتهما لا تزال تحمل حمرة الولادة الطرية، وكانتا مستلقتين جنبًا إلى جنب. واحدة منهما كانت ملفوفة بعناية فائقة في فوطة قطنية بيضاء ناصعة، والأخرى في فوطة بلون وردي ناعم، والمثير للدهشة والغرابة أن أطراف الفوطتين كانت مطرزة بخيوط زرقاء دقيقة تشكل رسومات لمراكب شراعية صغيرة تتطابق تمامًا في الشكل والحجم. صړخت بكل ما أوتيت من قوة أنادي ماجد، وجثوت على ركبتي أتفحص الصغيرتين. كانت أنفاسهما متسارعة، وأيديهما الصغيرة تتحرك بحركات عشوائية تبحث عن دفء مفقود. ركض ماجد وجلس بجانبي مذهولاً، يفرك عينيه غير مصدق لما يرى. الټفت حول نفسي، خرجت من الغرفة أركض على الشاطئ في كل اتجاه، أصرخ في الفراغ هل من أحد هنا؟ من صاحب هذين الطفلين؟، لكن صدى صوتي كان يعود إلي سخرية من البحر الخالي. لم يكن هناك أثر لأقدام سوى أقدامنا، ولم نجد داخل الغرفة الخشبية أي ورقة، أو بطاقة، أو علامة تدل على هوية الأم التي تخلت عن قطعتين من جسدها في هذا المكان المقفر وفي هذا الطقس العاصف. حملنا الطفلتين برفق، دافئتين بملابسنا، وهرعنا
 

تم نسخ الرابط