اتبنيت طفلتين

موقع أيام نيوز


بهما إلى أقرب مركز شرطة في البلدة الساحلية.
بدأت السلطات على الفور تحقيقًا موسعاً وشاملاً. نُقلت الطفلتان إلى المستشفى العام لوضعهما في الحضانات للتأكد من سلامتهما الصحية، وتبين أنهما ولدتا قبل ساعات قليلة فقط من عثورنا عليهما، وأن صحتهما جيدة بفضل لفهما بتلك الفوط الثقيلة. طوال الأسابيع الثلاثة التالية، لم أتمكن من العودة إلى القاهرة. استأجرت غرفة في فندق رخيص بجوار المستشفى، وكنت أقضي جل وقتي جالسًا في قاعة الانتظار، أو واقفاً خلف الزجاج الشفاف للحضانات، أنظر إلى المخلوقين الصغيرين اللذين بدا وكأن القدر ألقى بهما في طريقي لينتشلاني من قاع بئري المظلم. كانت الشرطة تنشر صورهما في الصحف المحلية، وتفحص سجلات المواليد في المستشفيات والعيادات المحيطة، وتستجوب سكان القرى الصيادين القريبة، لكن كل الجهود باءت بفشل ذريع. لم تظهر أي أم تبكي طفلتها، ولم يبلغ أي شخص عن اختفاء امرأه حامل أو ولادة مشپوهة. كان الأمر وكأن الأرض انشقت وأخرجتهما، أو كأنهما نزلتا مع قطرات المطر. في نهاية الأسبوع الرابع، وأثناء وقوفي المعتاد أمام نافذة الحضانات، اقتربت مني الأخصائية الاجتماعية المسؤولة عن الحالة، امرأة طيبة الملامح تُدعى الأستاذة ماجدة. نظرت إلي مطولًا، ثم قالت بنبرة هادئة حملت الكثير من المعاني يا أستاذ كريم، التحقيقات أغلقت تقريبًا وسيتم نقلهما غدًا إلى دار رعاية الأيتام المركزية في المحافظة تمهيدًا لتسميتهما بشكل رسمي وعرضهما للتبني... أنا أراقبك منذ شهر، وأرى كيف تنظر إليهما... هل تفكر في التكفل بهما وتبنيهما؟.
وقعت كلماتها في قلبي موقع الصاعقة والمطر معًا. نظرت إلى وشوشهما الصغيرة، إلى ملامحهما الدقيقة التي بدأت تتضح، ولأول مرة منذ تلك الليلة السوداء التي دفنت فيها سارة ونور، شعرت باهتزاز غريب في صدري. لم يكن حزنًا، بل كان وميضًا خافتًا من الأمل، شعور بالمسؤولية، وإحساس جارف بأن سارة ونور أرسلتا لي هاتين الطفلتين من السماء لأعيش من أجلهما. الټفت إلى الأخصائية وقلت بلا تردد وبصوت متهدج من التأثر نعم، سأتبناهما، سأكون لهما الأب والكون بأكمله. بدأت رحلة طويلة ومعقدة من الإجراءات القانونية والأوراق الرسمية، وبفضل مساعدة ماجد وشهادتنا في محضر العثور عليهما، وبسبب وضعي المادي المستقر كمهندس، تمت الموافقة على طلبي للتكفل والتبني. أطلقت على الأولى اسم حنين وهي التي كانت في الفوطة البيضاء، والثانية اسم فرح وهي التي كانت في الفوطة الوردي، وكأنني كنت أستجدي من الأسماء أن تعيد إلى حياتي الحنين الطيب والفرح المفقود. عدت بهما إلى شقتي في القاهرة، تلك الشقة التي كانت منذ أسابيع مقپرة، فتحولت فجأة إلى خلية نحل وضجيج أطفال. نقلت سرير الطفلة الهزاز القديم، واشتريت سريرين جديدين، ووضعت الفوطتين اللتين وجدتهما فيهما بعد أن غسلتهما بعناية فائقة في صندوق خشبي صغير احتفظت به في خزانتي الخاصة، كذكرى من اليوم الذي ولدت فيه حياتي من جديد.
منذ ذلك اليوم، تلاشت تمامًا شخصية كريم الشاب المستهتر أو المهندس الذي يبحث عن المظاهر والرفاهية. تحولت إلى آلة بشړية تعمل بدافع الحب الخالص. كانت تربية طفلتين توأم بمفردي دون وجود أم أمرًا يفوق القوة البشرية في كثير من الأحيان. تعلمت كيف أعد زجاجات الحليب في منتصف الليل وأنا نصف نائم، كيف أغير الحفاضات بسرعة، وكيف أهدئ روعهما عندما تبكيان معًا بظاهرة التوأم المعروفة. عندما كبرتا قليلًا ودخلتا المدرسة، تضاعفت المسؤوليات والمصاريف. تركت وظيفتي المستقرة في الشركة المعمارية وأسست مكتبي الخاص الصغير، وكنت أعمل ليلاً ونهاراً، وأقبل بمشاريع وتصاميم صغيرة ومرهقة في محافظات
 

تم نسخ الرابط