سر حماتي

موقع أيام نيوز


الأيام، جاءه اتصال من شقيقته الكبرى تخبره فيه أن والدته، الحاجة فاطمة، تمر بوعكة صحية شديدة بسبب تقدم السن والعزلة المفروضة عليها داخل جدران بيتها بموجب الإقامة الجبرية، وأنها تطلب رؤية مروان للمرة الأخيرة لتطلب منه السماح. نظر ماجد إليّ، ثم نظر إلى ابنه الذي كان يضحك بصوت مرتفع وهو يراجع دروسه، والتقط الهاتف وأجاب أخته بنبرة حاسمة ومستقرة كالجبال قولي لها إن مروان نسيها تماماً، ونسي طعم البان كيك، ونسي السر الذي استأمنته عليه. قولي لها إن أعظم عقاپ للمؤذي ليس السچن، بل أن يصبح نسياً منسياً في حياة من أراد تدميرهم. لقد ماټت أمي في نظري يوم السبت ذاك على الشاطئ، وما بقي الآن هو مجرد امرأة غريبة تدفع ثمن ما اقترفته يداها. أغلقت شقيقته الخط، ومنذ ذلك اليوم، لم يعد هاتفنا يستقبل رنيناً من تلك العائلة قط.
الخاتمة حصاد الشجاعة
وجاء الصيف مجدداً، لكننا هذه المرة لم نذهب إلى ذلك الشاطئ القديم ذي الكابينات الخشبية المتهالكة. اخترنا شاطئاً جديداً تماماً، شاطئاً واسعاً يمتد فيه الرمل الذهبي بلا نهاية وتحتضنه أمواج زرقاء صافية. جلستُ على مقعدي أراقب مروان وهو يركض خلف كرته بنشاط وحيوية، وخلفه ماجد يمازحه ويحاول اللحاق به والضحكات تتعالى منهما لتندمج مع صوت ارتطام الموج بالصخور.
تنفتُّ الصعداء، وشعرت بنسمة الهواء الباردة تداعب وجهي، لكنها هذه المرة لم تجمد الډم في عروقي، بل بعثت في نفسي دفئاً وطمأنينة انتظرتهما لسنوات. نظرت إلى حقيبة مروان الملقاة إلى جواري على الطاولة، لم تعد تلك الحقيبة التي تشبه سمكة القرش وتخبئ السمۏم، بل كانت حقيبة عادية ممتلئة بكتب الرسم والألوان وقوارير المياه العذبة النقية.
درس الحياة الأكبر إن الأمومة ليست مجرد مشاعر دافئة أو أغانٍ نغنيها للأطفال قبل النوم، بل هي عين ساهرة، وحدس لا يخطئ، وشجاعة تقف في وجه الريح إذا لزم الأمر. لقد تعلمنا بالطريقة القاسېة أن الأفاعي لا تسكن الجحور المظلمة فقط، بل قد ترتدي أحياناً ثياب الملائكة، وتغزل الصوف بابتسامة، وتقدم لنا السم في أطباق من حلوى.
 
لكن القوة الحقيقية تكمن في المواجهة، في عدم الخۏف من ټمزيق الأقنعة الزائفة حتى لو كانت تخص أقرب الناس، لأن سلامة من نحب وبراءتهم تستحق أن نخوض من أجلها أعتى المعارك. خرجنا من النفق المظلم وأشرقت شمسنا من جديد، لنعلن للعالم أن البراءة قد تنتصر، وأن البيوت التي تُبنى على الصدق والشجاعة لا تسقط أبداً، وأن أثر السم يزول وتبقى فقط قوة الحق التي تزلزل الأرض وتصنع للأبناء غداً مشرقاً وآمناً.

 

تم نسخ الرابط