سر حماتي
كانت نسمات البحر المتوسط في ذلك الصيف تحمل رطوبة خانقة، لكنها لم تكن كافية لتدفئة الأطراف التي تجمدت في لحظة واحدة. كل صيف، اعتادت عائلة زوجي أن تستأجر ذات البيت الصيفي القديم ذي الجدران البيضاء والنوافذ الزرقاء التي قشرها الملح والزمن، حيث تجتمع العائلة بأكملها لقضاء أسبوعين بعيدًا عن صخب العاصمة. كانت حماتي، الحاجة فاطمة، هي وتد هذا البيت وروحه النابضة؛ المرأة التي يتفق الجميع على مثاليتها وصلاحها. لم تكن مجرد حماة عادية، بل كانت الصورة الحية للجدة التي تقرأ عنها في روايات الأطفال. لا تنسى عيد ميلاد أحد من أحفادها أبدًا، وتقضي الشتاء بأكمله في غزل بلوفرات الصوف الملونة بيدين أضناهما التهاب المفاصل لكن لم يثنهما الحب، وتخصص يوم الأربعاء من كل أسبوع لتأخذ ابني الصغير مروان البالغ من العمر ست سنوات من حضانته، لتصنع له أقراص البان كيك المحشوة بالشوكولاتة التي يعشقها قبل أن تعيده إليّ مع مغيب الشمس. كان مروان يرى فيها ملاذه الآمن، وعندما كان يسأله أي شخص في العائلة أو خارجها مين أكتر شخص بتحبه في الدنيا يا مروان؟، كان يبتسم ببراءته الطفولية وتلمع عيناه ويقول دون تردد تيتا.
في يوم السبت الماضي، كان الشاطئ مزدحمًا، والموج يضرب الصخور بإيقاع رتيب. خرج زوجي ماجد مع والده حماي إلى الرصيف البحري الممتد لممارسة هوايتهما المفضلة في صيد السمك، بينما جلست أنا على مقعد خشبي أراقب مروان وأبناء عمومته وهم يتنافسون في بناء قلعة رملية ضخمة ويملأون الخنادق بمياه البحر. التفتُّ لعدة دقائق فقطعشر دقائق على الأكثرلأجيب على اتصال هاتفي عاجل من والدتي الاطمئنان علينا. وعندما أغلقت الخط والتفتُّ نحو الشاطئ، انقبض قلبي فجأة؛ لقد اختفى مروان. في البداية، حاولت تهدئة روعي، وقلت لنفسي إنه بالتأكيد ذهب برفقة جدته الحنون ليشتري الآيس كريم من الكشك الخشبي القريب كما يفعلان دائمًا. توجهت إلى الكشك فلم أجدهما، بحثت في منطقة الألعاب الصغيرة، وسألت عامل الدوشات للشاطئ، لكن لا أحد رآهما. بدأ الذعر يتسلل إلى أعماقي، وصرت أركض بين المظلات بملامح مخطۏفة، حتى لمحت من بعيد صف كابينات تغيير الملابس الخشبية المتهالكة في زاوية معزولة من الشاطئ. كانت ستارة إحدى الكابينات مفتوحة بنسبة بسيطة جداً، ومن أسفلها برز طرف صندل أزرق صغير مألوف للغاية؛ إنه صندل مروان. تنفست الصعداء وضكحت في سري ساخرة من خۏفي المفرط، وظننت أنه يلهو معي ويختبئ في الداخل. مشيت ببطء وهدوء نحو الكابينة، ومددت يدي لأفتح الستارة دون إحداث صوت لأفاجئه، لكن المشهد الذي رأيته بالداخل جعل الكلمات ټموت في حلقي.
لم يلحظ أي منهما وجودي. كانت حماتي راكعة على ركبتيها أمام مروان على الأرضية الخشبية الرطبة، ووجهها يحمل تعبيرات غريبة وجادة لم أعتدها منها، وكانت تدخل بحرص شديد شيئًا ما مغلفًا داخل الجيب الأمامي لشنطته الصغيرة التي تأخذ شكل سمكة قرش. بعد أن أغلقت الجيب، أمسكت بوجهه الصغير بين كفيها، واقتربت من أذنه وهمست بصوت واطٍ مسموع بالكاد قول لتيتا.. اتفقنا على إيه يا مروان؟. هز الصغير رأسه بجدية بالغة وقال بنبرة لقنته إياها بدقة ماما ما ينفعش تعرف أبدًا الحاجة اللي ادهالي. ابتسمت حماتي ابتسامة باردة غامضة وقالت شاطر يا حبيبي. في تلك الثانية، شعرْتُ وكأن خنجرًا من الجليد انغرس في قلبي وتجمد الډم في عروقي. لم أفكر، بل اندفعت كالمچنونة وفتحت الستارة بالكامل، وسحبت ابني بقوة وراء ظهري ليصبح في حمايتي، وخطفت الشنطة من