سر حماتي
الحارس. اضطررنا للاستعانة بطبيب نفسي متخصص في صدمات الأطفال، والذي أكد لنا أن مروان يحتاج إلى خطة علاج وتأهيل تمتد لأشهر لإعادة بناء مفهوم الأمان لديه، وتخليصه من عقدة الذنب المرتبطة ب إفشاء السر.
بعد مرور أربعة أشهر من الجلسات القضائية والتحقيقات المرهقة، أصدرت المحكمة حكمها العادل. نظراً لسن حماتي، لم يتم سجنها في سجن عمومي، بل حُكم عليها بالإقامة الجبرية في منزلها تحت الرقابة القضائية، مع منعها البات من الاقتراب من حفيدها أو رؤيته حتى بلوغه سن الرشد، بالإضافة إلى غرامة مالية ضخمة تم تخصيصها بالكامل لصالح صندوق علاج مروان النفسي والجسدي. كان صدور الحكم بمثابة إعلان التحرر من كابوس ثقيل.
في مساء يوم صدور الحكم، جلسنا أنا وماجد ومروان في شرفة شقتنا نراقب أضواء المدينة الهادئة. تمسك ماجد بيدي، ونظر إليّ بعينين تحملان كل الشكر والاعتذار، وقال لقد أنقذتِ عائلتنا يا سمر.. لولا شجاعتك وقوة ملاحظتك في ذلك اليوم على البحر، لكنا اليوم نبكي على مستقبل ابننا دون أن نعرف السبب. ابتسمت ونظرت إلى مروان الذي كان يجلس على الأرض يركب مكعباته بتركيز ونشاط لم أرهما فيه منذ سنوات، بعد أن استعاد جسده وعقله عافيتهما بالكامل. أدركت في تلك اللحظة أن أمومتنا هي خط الدفاع الأول والأخير عن أطفالنا، وأن الحقيقة مهما كانت مؤلمة ومظلمة، فإن مواجهتها بشجاعة هي السبيل الوحيد للحفاظ على من نحب، وتطهير حياتنا من السمۏم المخبوءة خلف الابتسامات الزائفة.
مرت سنتان على ذلك الحكم القضائي الذي شطر العائلة إلى نصفين، سنتان كانتا بمثابة إعادة بناء كاملة لجسد وروح أسرتنا الصغيرة من فوق حطام الخېانة والخذلان. لم يكن الأمر سهلاً؛ فالبيوت التي تُبنى من جديد بعد الزلازل النفسية تحتاج إلى وقت طويل حتى تكف جدرانها عن الارتجاف. انتقلنا للعيش في حي جديد تماماً في أطراف العاصمة، بعيداً عن كل الشوارع والمزارات التي كانت تربط مروان بماضيه وبجدته. قطعنا كل حبال الوصل بالماضي، وأصبحنا نعيش في فقاعة من الأمان صنعناها بأيدينا، فقاعة لا يدخلها إلا من نثق بنقاء سريرته تمام الثقة.
كان التحدي الأكبر هو مروان، الذي أتم الآن عامه الثامن. لم يعد ذلك الطفل الخامل الذي يستسلم للنوم المفاجئ أو يعاني من تشتت الذهن دون سبب. بفضل الرعاية الطبية الدقيقة وبرامج التغذية العلاجية، تمكن جسده الصغير من التخلص تماماً من بقايا المترسبات الكيميائية التي كانت تتسلل إلى دمه كل يوم أربعاء. عاد بريق الذكاء يشع من عينيه، وبات من المتفوقين في مدرسته الجديدة، يمارس رياضة السباحة ويحصد فيها الميداليات، وكأنه يعوض في الماء كل سنوات الخمول والضعف التي فرضت عليه قسراً. لكن العلاج النفسي استغرق وقتاً أطول؛ فالصدمة التي يتلقاها الطفل في هذا السن من الشخص الأكثر حباً وقرباً لقلبه تترك ندبة لا تختفي بسهولة. كان يسألني أحياناً في لحظات صفاء الليل ماما، هل يمكن للناس الذين يحبوننا أن يؤذونا؟، وكنت أحتضنه بقوة وأجيبه بصوت يملأه اليقين الحب الحقيقي يا حبيبي لا يؤذي أبداً، من يؤذينا لا يعرف الحب، بل يعرف الأنانية.. ونحن هنا لنحميك من كل أنانية في هذا العالم.
أما ماجد، فقد مر برحلة تطهير نفسي شاقة. كان عليه أن يخلع عباءة الابن المطيع لامرأة مريضة بالساډية، ليرتدي ثوب الأب والزوج المسؤول الذي يحمي بيته حتى من أقرب الناس إليه. تغيرت ملامح ماجد، اختفت من عينيه تلك النظرة الطيبة الساذجة وحلت محلها نظرة أكثر حكمة وقوة. في أحد