**"أخويا الصغير كان ھيموت
أخويا الصغير كان ھيموت من الجوع وأمي التانية رفعت إيدها عشان تضربني.. وفجأة همست في ودني بالسر المرعب ورا مۏت أمي الحقيقية المفاجئ!
أول حاجة خبطت في مناخيري وصدمتني كانت الريحة.
ريحة لبن بايز.. بلاط ساقع.. ونفس مكتوم ومقفل، وهي دي الريحة اللي البيت بياخدها لما الشبابيك بتفضل مقفولة ل أيام طويلة.
وبعدين سمعت صوت بنتي من ورا باب أوضة الغسيل المقفول، صوتها كان صغير ومبحوح من كتر العياط ماما، أرجوكِ.. هاتي لنا أي حاجة ناكلها، أنا بترجاكِ.. أرجوكِ م تضربيناش.
ل ثانية واحدة، إيدي ساندت على حيطة الممر؛ الدهان كان ساقع تحت كف إيدي، والبيت كله كان ساكت ومفيش فيه صوت غير زنة الثلاجة في المطبخ، وصوت شهقات ابني الصغير الضعيفة والمکسورة.
الصوت ده كان بتاع هناء.
كان عندها 6 سنين بس.
أنا كنت غايب عن البيت بقالي شهور، الشغل أكلني؛ اجتماعات، فواتير، ونوع من الحزن اللي بيضحك على الراجل ويفهمه إن الڠرق في الشغل هو نفسه الحياة، مراتي الأولى، مريم، ماټت فجأة من غير أي مقدمات، ومن بعد العزا م بقيتش عارف أقف جوة بيتي من غير ما أسمع صوتها في كل أوضة.
وعشان كده، وثقت في شاهيناز.
شاهيناز كانت أقرب صاحبة ل مريم؛ كانت بتجيب لنا أكل وتطبخ لنا بعد ما الجيران بطلوا يجوا، قعدت جنبي قدام مكتب الحسابات والأوراق في المستشفى، وساعدتني ألاقي شهادة ميلاد ياسين لما إيدي كانت بترتعش ومش عارف أقرا من الصدمة؛ كانت حافظة كود الإنذار بتاع البيت، ومواعيد المدرسة، ورقم دكتور الأطفال، وحتى الأرنب اللعبة اللي هناء م بتعرفش تنام من غيره.
الست ممكن تبقى فرد من العيلة ب لقطة طيبة واحدة ورا الثانية؛ وأول ما بيبقى معاها مفاتيحك، وحزنك، وثقة عيالك، عمرك م هتلاحظ الوش الثاني اللي بيستخبى ورا قناع الحنية ده.
الكل كان بيقول إن شاهيناز أنقذتنا؛ أمي قالت لي إن حظي حلو، وزمايلي في الشغل قالوا العيال محتاجين ست في البيت، والستات في الجامع كانوا بيقولوا عليها صبورة وطيبة؛ وفي مكتب المدرسة، كانت بتمضي الأوراق ب نفس الضحكة الرايقة الهادية.
قدام الناس برة، شاهيناز كانت ملاك رحيم.
أما قدام عيالي، ورا الباب المقفول ده، فكانت بني آدم ثاني خالص!
أنا رجعت البيت بدري يوم الخميس، الساعة كانت 847 بالليل، ومكنتش قايل لهم إني جاي؛ ميعاد الطيارة اتغير، وكنت عاوز أعمل مفاجأة للعيال؛ كنت لسة ماسك الشنطة في إيد وكوباية القهوة اللي بردت في الإيد الثانية، ولفت نظري فردة كوتشي صغيرة بتاعة ياسين واقعة على جنبها جنب أوضة الغسيل، كأنه قلعها وهو بيجري وبيحاول يهرب.
وفجأة هناء صړخت تاني
أرجوكِ يا ماما.. ياسين جعان بجد.
ضحكة حادة وشريرة قطعت صوتها وخرجت من ورا الباب؛ مش ضحكة شاهيناز اللي بتضحكها قدام الناس في الحفلات ولمّات الخير؛ الضحكة دي كانت رفيعة ومليانة غل.
اِخرسي خالص، زعقت ب قسۏة؛ لو م عملتوش اللي بقول لكم عليه بالظبط، هرميكم أنتم الاثنين برة الشارع.. البيت ده بقى بتاعي أنا وبس خلاص.
بصيت من الفتحة الضيقة اللي جنب قفل الباب، الحتة اللي القفل ممسكش فيها كويس، واللي شفته جوة فضى قلبي من الصدمة.
هناء كانت قاعدة على البلاط الساقع ب فستان بمبي متوسخ، لامة ركبها تحت دقنها، وخصلات شعرها المبلول عرق لازقة على وشها؛ وياسين كان مستخبي في حضنها، واد عنده سنتين بس، خدوده غرقانة دموع، وإيد الصغير ماسكة في طرف فستان أخته كأنه آخر حاجة أمان فاضلة له في الدنيا دي.
شاهيناز كانت واقفة فوق راسهم