بناتي التوأم
البنات مذهولات حين قلت لهن بصوت مخڼوق بالدموع شايفين الست اللي هناك دي؟ دي مش شبه الصور اللي في البيت؟.. دي ماما يا بنات.. ماما رجعت لنا. ركضت البنات غريزياً نحوها وسط ذهولهن، بينما نهضت ندى وفتحت ذراعيها لترتمي الطفلات الثلاث في حضنها لأول مرة في حياتهن في مشهد أبكى كل من كان في الحديقة. اقتربت منهن ببطء، وحين رفعت ندى عينيها نحوي بنظرة رجاء وخوف من الصد، مددت يدي إليها وجذبتها إليّ وإلى بناتها في عناق طويل وعميق، مسح آلام عشر سنوات من الفراق، وأعلن بداية فصل جديد من حياتنا التي عادت لتكتمل وتصبح خمسة أفراد، بعد أن ظننا أن المۏت قد انتصر علينا للأبد.
جلسنا جميعًا على ذلك المقعد الخشبي القديم في حديقة الأورمان لعدة ساعات، ولم تكن الألسن قادرة على مجاراة تسارع دقات القلوب. كانت ندى تحتضن البنات الثلاث دفعة واحدة، تتأمل ملامحهن، تمرر أصابعها المرتعشة على شعورهن، وتقبّل جباؤهن وكأنها تحاول تعويض عقد كامل من الحرمان في دقائق معدودة. ليان كانت تنظر إليها بعينين متسعتين غير مصدقة أن الصورة المعلقة في صالة بيتنا قد دبت فيها الروح وفاضت حنانًا، بينما كانت تاليا تبكي بصمت وهي ممسكة بطرف وشاح أمها الأبيض خوفاً من أن تختفي مجدداً، أما نور، أصغر الطوائم بدقائق، فكانت تدقق في تفاصيل وجه ندى وتقول ببراعة الأطفال أنتِ ريحتك شبه الشوكولاتة والياسمين اللي بابا بيحكيلنا عنهم.
كنت أراقب هذا المشهد وجسدي يتنازعه شعوران فرحة عارمة تكاد تطير بروحي إلى السماء، وخوف غامض وثقيل يربض فوق صدري كالجبل. التفتت إليّ ندى وعيناها تفيضان بالدموع والرجاء، وهمست بصوت مبحوح يوسف.. أنا عارفة إن الرجوع مش بالسهولة دي، وعارفة إن الأسئلة اللي في دماغك ملهاش آخر.. بس أقسم لك إن كل ليلة عدت عليا بعيد عنكم كانت سنة سجن كاملة. أومأت لها برأسي، وأمسكت بيدها التي كانت باردة رغم حرارة الجو، وقلت لها الأسئلة هتيجي وقتها يا ندى.. المهم دلوقتي إننا نقوم من هنا. البنات لازم يستوعبوا، وإحنا لازم نحمي عيلتنا اللي رجعت من المۏت.
عدنا إلى البيت، لكن الدخول هذه المرة لم يكن كأي مرة سابقة. دخلت ندى شقتنا بخطوات بطيئة، تتأمل الأثاث، الجدران، والصور المعلقة. رأت صور طفولة البنات، مراحل نموهن، حفلات أعياد ميلادهن التي غابت عنها، وبكت بحړقة عندما رأت ركنًا خاصًا في الصالة كنت قد خصصته لصورها ومتعلقاتها القديمة وكأنه ضريح للحب الغائب. في تلك الليلة، لم تنم ندى في غرفتنا؛ بل فضلت أن تنام في وسط غرفة البنات، تمد يدها يميناً ويساراً لتلمس أجسادهن الصغيرة الدافئة، وتتأكد أن الأمر ليس حلماً سيتلاشى مع خيوط الفجر الأولى. أما أنا، فبقيت ساهراً في الصالة، أدخن وأفكر في الخطوة التالية؛ فالعاصفة لم تنتهِ بعد، وظهور ندى فجأة يعني أن هناك إجراءات قانونية معقدة بانتظارنا لإثبات أنها على قيد الحياة، وإلغاء شهادة الۏفاة المزورة، والأهم من ذلك مواجهة بقايا عائلة شاكر الذين دمروا حياتنا.
مع شروق شمس اليوم التالي، بدأت رحلة المواجهة الحقيقية. اتصلت بصديقي المقرب عصام، وهو محامٍ جنائي ذكي وبارع في القضايا المعقدة. جاء عصام إلى منزلنا، وحين رأى ندى تجلس في الصالة، سقط كيس الأوراق من يده وتراجع خطوتين إلى الوراء مذهولاً، فقد كان هو من تولى إنهاء إجراءات إعلام الوراثة واستخراج شهادة ۏفاتها قبل عشر سنوات. جلسنا معاً، وفتحت ندى حقيبتها لتخرج منها وثائق وأوراقًا رسمية