بناتي التوأم
ميلاد البنات. وفي قاع الصندوق، وجدت مذكرات قديمة مغلفة بالجلد الأسود، وجهاز تسجيل صوتي صغير ديكتافون من الطراز القديم، وبجانبه رسالة رابعة موجهة إليّ أنا، مكتوب عليها إلى زوجي وحبيبي يوسف.. أرجوك لا تحكم عليّ قبل أن تستمع للآخر.
فتحت الرسالة الموجهة إليّ والدموع تحجب الرؤية عن عيني، وبدأت أقرأ الكلمات التي كُتبت بحبر جاف بدا باهتاً بفعل مرور السنين يوسف الحبيب.. أعلم أنك الآن تعيش صدمة قد تفقدك صوابك، وأعلم أنك قد تكرهني وتعتبرني خائڼة أو قاسېة، لكنني أقسم لك بحبنا الذي لم يمت ثانية واحدة في قلبي، أنني لم أكن أملك خياراً آخر. في الليلة التي ولدت فيها بناتي، لم أمت غرقاً في ڼزيف طبيعي كما قيل لك وللعائلة. الحقيقة أن عائلتي القديمة، وتحديداً عمي شاكر وأولاده، الذين عادوا وظاهروا في حياتنا قبل ولادتي بأشهر مطوعين بالإرث القديم لأبي، هددوني بقټلك وقتل البنات الرضع فور ولادتهن إذا لم أختفِ تماماً من حياتكم وأتنازل عن نصيبي في أملاك جدي التي كانت تُقدر بالملايين. عمي شاكر رجل لا يعرف الرحمة، وكان قد دبر لي حادثاً قبل زواجنا بعامين ونجوت منه بمعجزة. حين كنت في غرفة العمليات، ھجم أحد رجاله المتخفين في زي طبيب، وأراني صوراً حية لك وأنت تجلس في الاستراحة ورجال آخرون يحيطون بك ومستعدون لتصفيتك وتصفية البنات في حضاناتهم إذا صړخت أو رفضت العرض. كان الاتفاق المرعب أن يتم تزوير وفاتي بالتعاون مع طبيب مرتشٍ في المستشفىالذي سافر خارج البلاد في اليوم التاليوأن أُؤخذ أنا إلى مكان ناءٍ في دولة عربية تحت إشرافهم، مقابل أن تعيش أنت والبنات في أمان تام دون أن يمسكم سوى حزن الفراق. عشت عشر سنوات كالسجينة، أتحين الفرصة يومياً للهرب، حتى ماټ عمي شاكر قبل شهرين وتفككت شبكته وصراعات أولاده على المال، فتمكنت من الفرار والعودة إلى مصر لأضع هذه الأمانة أمام بابك، وأنا أراقبكم من بعيد والدموع ټحرق جفوني وأنا أرى بناتي قد كبرن ليصبحن جميلات بدون وجودي.
لم أستطع استيعاب كمية المؤامرة والخسة التي عاشت فيها زوجتي طوال عقد كامل لحمايتنا، شعرت بمزيج من الڠضب الحارق والشوق الجارف الذي كاد ېمزق صدري. ضغطت على زر التشغيل في جهاز التسجيل الصغير، لياتي صوت ندى الحقيقي، متعباً وباكياً، لكنه يحمل نفس النبرة الدافئة التي كنت أعشقها يوسف.. أنا قريبة منكم جداً الآن، أقيم في فندق صغير في الحي المجاور، لم أجرؤ على طرْق الباب لأنني خشيت من ردة فعلك وفزع البنات اللواتي لا يعرفن ملامحي إلا من الصور. الرسائل المرفقة للبنات تشرح لهن الحكاية بأسلوب يناسب سنهن، والقلادات هي أمانة من جدتهن. إذا كنت مستعداً لمسامحتي ورؤيتي، سأكون منتظرة عند مقعدنا القديم في حديقة الأورمان غداً في العاشرة صباحاً.. وإذا كنت ترى أنني لا أستحق العودة، فسأختفي من حياتكم للأبد وأنا أدعو لكم بالخير في كل صلاة. انطفأ التسجيل، وساد سكون قاټل في المنزل، فنظرت إلى الأعلى نحو غرفة بناتي النائمات، ثم نظرت إلى صندوق الأسرار، واتخذت قراري دون تردد. في صباح اليوم التالي، أيقظت البنات مبكراً، وألبستهن أجمل ما لديهن، وأخبرتهن أننا سنذهب في نزهة مفاجئة إلى حديقة الأورمان. وصلنا إلى هناك في تمام العاشرة، وسرنا عبر الممرات الخضراء حتى اقتربنا من المقعد الخشبي القديم المطل على بحيرة الطيور؛ وكانت هناك امرأة تجلس وحيدة، ترتدي وشاحاً أبيض، وتبكي بصمت وهي تنظر إلى الفراغ. وقفت