بناتي التوأم

موقع أيام نيوز

كانت عقارب الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، والهدوء يخيّم أخيراً على أرجاء المنزل بعد يوم طويل حافل بالصخب والضحكات والبالونات الملونة التي ملأت الحديقة؛ فقد احتفلت بناتي التوائم الثلاث، ليان وتاليا ونور، بعيد ميلادهن العاشر. جلست على الأريكة في الصالة لالتقاط أنفاسي، أراقب الفوضى الجميلة التي خلفها الحفل، وبقايا قالب الحلوى الكبير، وعلب الهدايا الممزقة الملقاة في الزوايا. عشر سنوات مرت كلمح البصر، عشر سنوات منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي انقسمت فيه روحي إلى نصفين؛ نصف ماټ ودُفن تحت التراب مع حب عمري وزوجتي ندى، ونصف ظل حياً يقاوم باللحم والدم ليربي ثلاث طفلات تركنهن لي في هذه الدنيا وحيداً. تذكرت تفاصيل تلك الليلة من عقد مضى كأنها حدثت بالأمس؛ غرف العمليات، الممرات الباردة، وصوت الطبيب المتحشرج وهو يضع يده على كتفي قائلاً بذلنا كل جهدنا.. ڼزيف حاد مفاجئ.. البنات بخير، لكن والدتهم راحت. في ثانية واحدة تحولت من زوج ينتظر بشغف اتساع أسرته لتصبح خمسة أفراد، إلى أرمل مكسور الظهر، وأب لثلاثة أطفال رضاعة يحتاجون إلى رعاية على مدار الساعة. لولا وجود أمي وأختي بجانبي في تلك الأشهر الأولى المظلمة، اللواتي تولين إطعام الصغيرات وتنظيم مواعيد نومهن وتحمل صرخاتي المكتومة في جوف الليل، لكنت قد انهرت تماماً وضعت في دهاليز الاكتئاب. تنهدت بعمق، ونهضت لأغلق باب البيت الخارجي وأتأكد من إقفاله قبل النوم، لكن بمجرد اقترابي من الباب، سمعت صوتاً خفيفاً وكأن شيئاً حُك بالجدار الخشبي الخارجي، يليه صوت خطوات سريعة تبتعد عن الممشى. فتحت الباب بسرعة لأستطلع الأمر، فلم أجد أحداً في الممر المظلم، لكن عيني وقعت على صندوق خشبي متوسط الحجم، مغلف بورق هدايا أنيق ذي لون مخملي، وموضوع بعناية فائقة على عتبة البيت. انحنيت والفضول يمتزج بريبة غامرة، وحين رفعت الصندوق، لاحظت وجود كارت صغير معلق بشريط ستان أبيض، مكتوب عليه بخط يد أنيق وواضح، خط أعرفه أكثر من معرفتي لملامح وجهي في المرآة. شعرت ببرودة تجتاح أطرافي والدم يتسحب من وجهي بالكامل وأنا أقرأ الكلمات الأربع لبناتي الحلوين... بحبكم. ماما.
وقفت في ممر البيت وأنا أشعر بالدوار، والأرض تكاد تميد بي، وجسدي يرتجف پعنف كأنني أصبت بحمى مفاجئة. أغلقت الباب خلفي بقوة، ودخلت بالصندوق إلى الشقة، ووضعته على الطاولة في منتصف الصالة وأنا أنظر إليه بړعب لا يوصف. ماما؟ ندى؟ هذا مستحيل!، صړخت في سري وأنا أتذكر تفاصيل جنازتها، وشهادة الۏفاة الرسمية التي تحمل ختم الدولة، والقپر الذي أزوره مع البنات في الأعياد والمناسبات ونضع عليه الزهور. هل هذا مقلب سخيف من أحد الأقارب؟ أم أن هناك خطأ ما؟ اقتربت يدي المرتعشة من الكارت مرة أخرى، وقربته من الإضاءة؛ الخط كان متطابقاً تماماً مع خط ندى، بنفس الميول الطفيف في حرف الألف، ونفس الطريقة التي كانت ترسم بها النقطتين في نهاية كلمة ماما. جلست على مقعد خشبي وأنا أتنفس بصعوبة، وقررت فتح الصندوق لأرى ما بداخله ويحسم هذا الجنون الذي ېهدد عقلي بالانفجار. مزقت ورق الغلاف ببطء، وفتحت الغطاء الخشبي، لتفوح من داخل الصندوق رائحة عطر مألوفة غابت عن أنفي لسنوات، عطر الياسمين البري الذي كانت ندى لا تضع غيره. في أعلى المحتويات، كانت هناك ثلاث رسائل منفصلة، كل رسالة مكتوب عليها اسم واحدة من بناتي، وتحت الرسائل كانت هناك ثلاث قلادات ذهبية متطابقة، على شكل نصف قلب، منقوش على ظهر كل منها تاريخ
 

تم نسخ الرابط