بعد ماولدت توأم بكام يوم بقلم زيزى محمد
الليلة المحددة، رحت أنا وسارة.
فتحنا باب المخزن بالمفتاح.
كان المكان مليان ملفات قديمة عليها تراب السنين.
وأثناء تقليبنا في الملفات، لقينا ملفًا مكتوبًا عليه بخط أحمر
ممنوع الفتح... قضية تبديل المواليد.
بصيت لسارة، وهي بصتلي، وحسينا إن اللي هنقرأه هيغيّر حياة ناس كتير... مش حياتنا إحنا بس فتحنا الملف بإيدين مرتعشتين.
كانت أول ورقة عبارة عن تقرير تحقيق داخلي قديم، مكتوب فيه أن المستشفى اشتبهت وقتها في وجود أخطاء في أساور تعريف بعض المواليد، ولذلك فُتح تحقيق رسمي. ومع تقليب الأوراق، وجدنا أن كل حالة تمت مراجعتها لاحقًا بتحليل الحمض النووي والسجلات الطبية.
قلبي كان بيدق بسرعة وأنا بدور على اسم ياسين.
ولما وصلت للصفحة الخاصة به، وقفت مكاني.
كان مكتوب بوضوح
تمت مراجعة الحالة بالكامل، وتأكد عدم وجود أي تبديل للمولود. ۏفاة الطفل ياسين سُجلت طبيًا بشكل صحيح، وأُغلقت القضية بعد اكتمال التحقيق.
سكتُّ طويلًا.
سارة حطت إيدها في إيدي وقالت ماما... يمكن الحقيقة دي مؤلمة، لكنها على الأقل يقين.
قفلت الملف، وحسيت إن رحلة البحث اللي استمرت سنين انتهت أخيرًا.
خرجنا من المخزن، وأنا لأول مرة ماكنتش بدور على معجزة ولا على إجابة جديدة.
كنت بدور على سلام... ولقيته.
وفي اليوم التالي، تبرعت بكل ما جمعته من مستندات إلى أرشيف المستشفى بعد انتهاء التحقيقات، حتى تبقى الحقيقة محفوظة، وحتى ما يمرش أي أب أو أم بنفس الحيرة اللي عشتها.
رجعت البيت أنا وسارة، وعلقت الصورة الوحيدة اللي كانت لياسين في غرفة المعيشة.
كلما بصيت لها، كنت أبتسم بدل ما أبكي.
لأن بعض الأحباب يرحلون مبكرًا، لكن محبتهم تفضل تعيش في قلوبنا إلى الأبد بعد سنة من كل اللي حصل، كنت قاعدة في المكتب بتاع مركز ياسين، لما السكرتيرة دخلت وقالت
في شاب مستني حضرتك برة، وبيقول إنه جاي يحقق وصية أبوه.
استغربت وطلبت منها تدخله.
دخل شاب في أوائل العشرينات، حط ظرف قديم على المكتب وقال
أبويا كان سواق إسعاف، وكان موجود يوم ولادة حضرتك. قبل ما ېموت سلمني الظرف ده، وقالي ما أفتحوش إلا بعد ۏفاته.
فتحت الظرف، ولقيت خطاب بخط راجل كبير.
كان مكتوب فيه
لو وصل الخطاب ده، يبقى ضميري ارتاح. يوم ولادة ابنك حصلت فوضى كبيرة في المستشفى، وأنا شهدت كل حاجة. يمكن مقدرتش أغيّر الماضي، لكن لازم الناس تعرف إن الإهمال ممكن يسرق عمرًا كاملًا من أصحابه.
قريت الخطاب للآخر، لكن مفيش أي معلومة غيّرت الحقيقة اللي عرفناها. بالعكس، أكد إن ۏفاة ياسين كانت حقيقية، وإن الخطأ كان في سوء إدارة المستشفى وتأخر إبلاغ الأسر ببعض التفاصيل، مش في تبديل الأطفال.
قفلت الخطاب، وبصيت لسارة وقلت
في فرق بين إن الإنسان يفضل يجري ورا الماضي... وإنه يتعلم منه.
ابتسمت سارة وقالت
وعشان كده مركز ياسين هيكمل رسالته.
ومن يومها، بقينا ننظم حملات لتدريب المستشفيات على إجراءات سلامة المواليد، علشان ما تعيشش أي أسرة الحيرة والألم اللي عشناه.
وهكذا بدأت حكاية جديدة... لكن هذه المرة، كان هدفها إنقاذبعد الحملة الأولى، انتشرت قصة مركز ياسين في كل المحافظات، وبقت المستشفيات تطلب من سارة تيجي تدرب الممرضات والأطباء على إجراءات سلامة حديثي الولادة.
وفي أحد الأيام، دخلت أم شابة وهي شايلة طفلها الرضيع، وكانت پتبكي بحړقة.
قالت أنا جيت هنا لأن الناس قالتلي إنكم بتسمعوا قبل ما تحكموا.
قعدت جنبها وسمعت قصتها للنهاية.
كانت خاېفة يكون حصل خطأ في أوراق ابنها، لكن بعد مراجعة كل المستندات والتواصل مع المستشفى، اتضح إن كل شيء سليم، وإن سبب قلقها كان إشاعة سمعتها من أحد الأقارب.
لما خرجت وهي مطمنة، بصتلي وقالت لو ماكنتشوا موجودين، كنت هعيش عمري كله في شك.
ساعتها فهمت إن الرسالة الحقيقية لمركز ياسين مش إنه يفتش عن أسرار قديمة، لكن إنه يمنع الشك والخۏف من ټدمير حياة أسر جديدة.
في نهاية اليوم، وقفت أنا وسارة قدام لافتة المركز.
قلت لها عارفة يا بنتي... زمان كنت فاكرة إن نهاية قصتنا كانت يوم فقدت أخوكي.
ابتسمت وقالت لكن يمكن كانت مجرد بداية، يا ماما.
ابتسمت لأول مرة من قلبي، وحسيت إن ۏجع السنين اتحول لرحمة، وإن ذكرى ياسين بقت نورًا لكل طفل يدخل من باب المركز.