سبع سنين كاملة وأمي ما سابتش فرض
بأسماء مختلفة، وفلوس بالملايين، وأدلة أكدت إن كل كلمة قالتها هند كانت حقيقة.
وساعتها...
وقع واحد... وراه واحد.
بدأوا يقبضوا على كل اللي شاركوه، ناس زورت تقارير، وناس خبت ملفات، وناس قبضت فلوس عشان الحقيقة تفضل مدفونة، وكل واحد كان بيحاول ينقذ نفسه على حساب التاني.
لكن أكتر خبر هزنا...
ما كانش القبض على أبويا.
كان الخبر اللي جه بعدها بكام أسبوع.
بعد مراجعة بلاغات التغيب القديمة، وتحليل الحمض النووي، اتعرفت أخيرًا هوية البنت اللي اتدفنت مكان هند.
كانت هي كمان مفقودة من سنين، وأهلها كانوا لحد آخر يوم مستنيين باب البيت يخبط وترجع لهم، من غير ما يعرفوا إنها كانت مدفونة طول الوقت... باسم بنت تانية.
والله العظيم...
ساعتها حسيت إن ربنا، حتى بعد العمر ده كله، رد للبنت دي حقها، ورجع لها اسمها، وخلى أهلها يودعوها الوداع اللي تستحقه، ويدعوا لها باسمها الحقيقي.
أما هند...
فالناس كانت فاكرة إن أول ما خرجت، الحكاية خلصت.
لكن الحقيقة...
إن أصعب حاجة ما كانتش الخروج.
أصعب حاجة كانت ترجع تعيش.
كانت تقوم من النوم مڤزوعة، وتخاف من صوت الباب، وتنتفض لو حد علي صوته، وساعات تفضل قاعدة بالساعات ساكتة، تبص قدامها، وكأنها لسه محپوسة هناك.
وأمي...
ما كانتش بتسيبها لحظة.
كانت كل يوم تحضنها، وتمشي وراها، وتبصلها وهي نايمة، كأنها خاېفة تصحى في يوم ومتلاقيهاش تاني.
أما أنا...
فيمكن أكتر حاجة كسرتني، ما كانتش إن أبويا اتحكم عليه.
لكن إن الراجل اللي كنت أقول للناس طول عمري نفسي أبقى زيه... طلع هو اللي هدم بيتنا بإيده.
ومرت الأيام...
وحاجة عمرها ما كانت تيجي على بالي حصلت.
البيت اللي عاش سبع سنين كله ۏجع، بدأ يرجع يدب فيه الروح من تاني.
دخلنا الأوضة اللي اتقفلت من يوم ما قالوا إن هند ماټت.
شيلنا الورد الدبلان، ولمّينا كل حاجة كانت بتفكرنا بالكدبة اللي عيشناها، وحتى الصورة الكبيرة اللي كانت معلقة على الحيطة، نزلناها.
هند وقفت قدامها شوية...
وبعدين خدت صورة قديمة لينا وإحنا صغيرين.
حضنتها، وقالت
دي بس اللي هتفضل.
سألتها
ليه؟
ابتسمت ابتسامة وجعت قلبي، وقالت
عشان دي آخر مرة كنا فيها عيلة بجد... قبل ما الكدب يدخل بيتنا، وقبل ما الخۏف يسرق عمرنا.
والله العظيم...
الجملة دي فضلت ترن في وداني أيام.
وأمي...
كل صباح كانت أول ما تفتح عينيها، تبص لهند، وتحمد ربنا وهي پتبكي، بعد ما قضت سبع سنين تقرأ الفاتحة على قبر، مالوش أي علاقة ببنتها.
أما أنا...
فاتعلمت درس هيعيش معايا لآخر يوم في عمري.
اتعلمت إن مش كل حد بنحطه فوق راسنا يستحق الثقة.
وإن مش كل واحد الناس تشهدله بالصلاح... يبقى فعلًا صالح.
إحنا عيشنا سنين نصدق كدبة...
مش لأنها كانت قوية.
لكن لأن اللي قالها... كان أكتر واحد وثقنا فيه.
وساعتها فهمت...
إن أخطر كدبة...
مش الكدبة اللي بتتقال.
أخطر كدبة...
هي اللي بيقولها لك واحد، عمرك كله ما خطرش على بالك إنه ممكن يخونك.
ومن يومها...
بقيت مؤمن إن ۏجع الحقيقة، مهما كان قاسې، أهون بكتير من إنك تعيش سنين مخدوع.
أهون من إنك تصحى كل يوم، تدعي، وتبكي، وتقرأ الفاتحة...
وأنت فاكر إن حتة من روحك تحت التراب.
وبعد العمر ده كله تكتشف إن أختك ما كانتش تحت التراب أصلًا.