انتي ممرضة ولا عربية نقل
تمريض مقيم، رعاية أربعة وعشرين ساعة؛ غيارات چروح، علام، أدوية، ومساعدة حركة.. المرتب خمس أضعاف الطبيعي عشان المخاطرة. وِش هدى ظهرت فيه لمعة خفيفة؛ لمعة احتياج، مش طمع، احتياج، وقالت أمي في دار رعاية على طول في المحلة، ومصاريفها مبتسألش صاحب شغلك خطېر قد إيه. درويش ملامحه هديت لثانية قبل ما يرجع لجموده وقال ورايا. السلم كان واسع ورخام وفخم بزيادة، هدى طلعت من غير شكوى بس درويش لاحظ إنها بتظبط نَفَسها بانتظام؛ عندها ثبات البني آدم اللي متعود الناس تبص له وتحكم عليه، والللي قرر من زمان إن قسۏة الناس دي عبارة عن وش في الخلفية ملوش لازمة. عدوا على اتنين حراس، وبعدين اتنين غيرهم، وفي آخر الطرقة الطويلة، درويش فتح باب خشب ثقيل. الجناح الرئيسي كانت ريحته ديتول، وبرفان غالي، وغل ملوش آخر. سليم الأنصاري كان نايم في وسط سرير هائل، ساند ضهره على مخاد غامقة، وِشه كان أصفر، قريب للرمادي تحت الملامح الحادة اللي كانت بتخلي حريم المجتمع يتهامسوا عليه في الحفلات الخيرية. عيونه الخضرا كانت بتلمع من السخونية، الشاش واللفايف مغطية صدره وكتفه، وخراطيم المحاليل في إيده. حتى وهو مكسور، كان مالي الأوضة كأنه ټهديد پالقتل. سليم قال بصوت مبحوح ومن غير ما يلف راسه أنا قلت مش عايز ممرضات تاني. درويش رد محتاج غيار على الچرح، وميعاد المضاد الحيوي جه، فسليم قال أنا محتاج سكوت، فدرويش قاله ومحتاج متموتش من التلوث. براحة، سليم لف راسه، وعينه جت على هدى.. ونزل بعينه على جسمها كله بقسۏة متعمدة، واِبتسامة باردة اترسمت على وِشه وقال الجملة اللي صدمت الكل هي دي نكتة الليلة؟ الأخيرة كانت شبه بنات الإعلانات ومكنتش عارفة تمسك السرنجة.. دلوقتي جايبلي عربية نقل حلويات؟!.
يا ترى هدى هترد إزاي على إهانة سليم الأنصاري الچارحة وقدام رجالتُه؟ وإزاي الليلة دي بالذات هتحول قصر الجبروت لساحة حرب ودمار بعد ما يتفاجئوا بهجوم مسلح، ويكون جسم سليم العاجز في رقبة هدى لوحدها وسط رصاص مش بيرحم؟ إيه السر اللي هدى هتعمله وهي بتواجه المۏت عشان تنقذ الراجل اللي أهانها، وإزاي الحكاية دي هتشقلب كيان سليم وتخليه يندم على كل كلمة قالها؟
هدى وقفت مكانها، ملامحها متغيرةش ولا رمشت بعينها، وكأن الكلام اللي سمعته ده مجرد صوت هوا عدّى ومهمهوش.. كانت متوقعة الإهانة دي، متوقعة أكتر منها، عشان هي عارفة الناس كويس، وعارفة إن أول حاجة بيبصولها ليها الشكل والمظهر، وبيحكموا من غير ما يعرفوا جواه إيه ولا إيه اللي عندها.
رفعت راسها بكل ثبات وكرامة، وبصت له بعينها الواسعة الهادية، وقالت بصوت واضح ورصين وصل لكل ركن في الأوضة، ومن غير أي تردد ولا خوف
أنا مش عربية نقل حلويات يا فندم.. أنا ممرضة، وقضيت ست سنين في مستشفى الطوارئ، شفت فيها كل أشكال الألم والۏجع والمۏت، وتعاملت مع مرضى أصعب منك بكتير، وكل واحد فيهم كان فاكر إنه ملك الدنيا وكل الناس خدامه عنده.. وجيت هنا مش عشان شكلي ولا عشان وزني، جيت عشان عندي خبرة وعندى علم وعندى قدرة أتعامل مع الحالات الصعبة والخطړة زي حالتك.. ولو كنت عايز حد يضحكك أو يجاملك أو يقول لك كلام حلو، فأنا مش الشخص المناسب.. لكن لو عايز حد يخليك تعافى بسرعة، ويحافظ على حياتك، ويقف جنبك لحد ما تقف على رجليك من تاني، فأنا اللي هعمل كده.. ووقتك غالي ووقتي غالي،