مراتي كانت بتخلي فلوس
المحتويات
مرة مباشرة لو دخلت، ما تحاولش تفسّر كل حاجة. خليك بس شاهد.
الهواء حواليّا اتغير.
والضوء في المية بدأ يقرب أكتر كأنه بيطلع للسطح مش بينادي من تحت.
مديت إيدي ناحية السور.
وبعدين توقفت.
مش خوف.
لكن لحظة إدراك صغيرة جدًا
إن أول مرة في كل الرحلة دي
أنا مش مدفوع لسؤال.
أنا اللي واقف قدامه بإرادتي.
نفس عميق.
وقررت أخطو حطّيت رجلي على حافة السور والهواء حواليا اتغير فجأة، كأنه فقد وزنه.
الضوء اللي في المية ما بقاش تحت بقى قدامي مباشرة، كأنه فتح في سطح البحر نافذة مش باب.
الشخص اللي جنبي قال بهدوء ما تقاومش الإحساس الأول.
قبل ما أستوعب الجملة، حصلت حاجة غريبة ما كانش سقوط، وما كانش قفز.
كان انزلاق ناعم جدًا، كأن الواقع نفسه قرر يغيّر طبقتي.
المية لمستني
بس ما غرقتش.
لقيت نفسي جوه مساحة واسعة، مفيهاش مية بالشكل اللي نعرفه، ولا أرض، ولا سما.
بس إحساس بالاتساع.
والضوء اللي شفته من برّه بقى حواليا من كل اتجاه.
صوت البحر اختفى وصوتي الداخلي بقى أوضح من أي وقت فات.
وفجأة
ظهر قدامي نفس الشخص اللي كان واقف على الكورنيش.
لكن المرة دي مش كجسم.
كصوت جاي من كل مكان.
قال هنا مفيش أنت منفصل عن اللي بتشوفه.
سألته وأنا مش مستغرب إني بتكلم من غير صوت يعني إيه المكان ده؟
رد ده مش مكان ده لحظة فهم متجمّدة.
حسّيت إن أفكاري نفسها بقت واضحة زيادة عن اللازم، كأنها متشافه من برّه.
وسألته طيب ليه أنا هنا؟
سكت لحظة وبعدين قال لأنك بطّلت تهرب من السؤال فبقى السؤال يوريك نفسه.
وفجأة
بدأ يظهر قدامي مشاهد سريعة.
حياتي.
مش زي ما اتذكرت لكن زي ما اتشافَت.
مشاهد لقرارات، لحظات صمت، خوف، راحة، فقد كلها متراصة من غير ترتيب زمني.
لكن في النص كان في خيط واحد ما بيتقطعش.
إحساس إن في حاجة بتفهمني حتى وأنا مش فاهم نفسي.
الصوت قال كل قصة كنت فاكرها عن نفسك كانت محاولة تفسير مش تعريف.
المشاهد بدأت تهدى.
والضوء بدأ ياخد شكل دائرة حواليا.
سألته آخر سؤال وإيه اللي بعد كده؟
رد ببساطة اللي بعد كده إنك ترجع من غير ما تفقد اللي شوفته.
والدائرة بدأت تضيق ببطء
كأنها بتفتح طريق رجوع مش نهاية.
وآخر حاجة سمعتها قبل ما كل حاجة تهدى
الفهم الحقيقي ما بيبانش هنا. بيبان لما ترجع تعيشه الدائرة الضوئية ضاقت لحد ما بقت زي نقطة صغيرة قدامي وبعدين فجأة اختفت.
وفي لحظة واحدة، رجعت أتنفس هوا عادي.
فتحت عيني.
لقيت نفسي قاعد على سور الكورنيش زي ما كنت نفس المكان، نفس البحر، نفس الناس اللي ماشيين عادي.
كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن
أنا كنت عارف إن كل حاجة حصلت.
بصيت لإيدي.
مفيش نور.
مفيش مفتاح.
بس الإحساس اللي جوايا كان ثابت بشكل مختلف هدوء مش فراغ.
الشخص اللي كان واقف جنبي اختفى.
ولا حتى أثر لوجوده.
قمت ببطء.
مشيت شوية على الرصيف.
وبدأت ألاحظ حاجة غريبة
الناس زي ما هي بس أنا شايفهم بشكل أعمق شوية.
مش بقرأ أفكارهم، ولا شايف حاجات خارقة.
بس شايف تعبهم الصغير ترددهم اللي مخبيينه ورا عاديتهم.
وقفت قدام عربية شاي.
الراجل اللي بيعمل الشاي رفع عينه وقال تحب حاجة يا أستاذ؟
سكت لحظة.
وبعدين ابتسمت آه قهوة سادة.
وأنا باخد الكوباية، حسّيت لأول مرة إن أبسط حاجة زي القهوة دي كفاية تكون لحظة كاملة لوحدها.
قعدت على كرسي بلاستيك بسيط.
بصيت للبحر تاني.
ما كانش فيه باب.
ولا ضوء.
ولا حاجة خارقة.
لكن كان فيه إحساس جديد
إن الحقيقة اللي كنت بدوّر عليها ما كانتش مكان أروح له.
كانت طريقة أعيش بيها اللي أنا فيه.
وأنا بشرب أول رشفة قهوة بهدوء
فهمت إن الرالقهوة كانت سخنة في إيدي، بس الدفا اللي جوايا كان أعمق من كوباية.
قعدت ساكت شوية أراقب
متابعة القراءة