ضحيت ب22 سنه جواز
المحتويات
شهر...
صحيت على صوت خبط خفيف على باب البيت.
الساعة كانت قرب الفجر.
استغربت.
مين ممكن يزور راجل عجوز في الوقت ده؟
فتحت الباب...
واتجمدت مكاني.
لقيت قدام الباب...
ثلاث كراسي أطفال.
قديمين.
ومتآكلين من الزمن.
وبجانبهم شنطة حفاضات صغيرة.
بالضبط...
زي اللي لقيتهم من أكتر من خمسين سنة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
وبصيت حواليّ.
مفيش حد.
لكن كان فيه ظرف أبيض فوق أحد الكراسي.
فتحته بإيد مرتعشة.
وكان مكتوب فيه
زمان حد أنقذ ثلاث بنات.
النهاردة دورك تنقذ واحد كمان.
رفعت رأسي بسرعة.
وسمعت صوت بكاء طفل.
جاي من جوه أحد الكراسي.
قربت.
وشلت الغطا.
ولقيت رضيع صغير جدًا.
ملفوف في بطانية زرقا.
وعلى صدره ورقة.
فتحتها.
وكان مكتوب
أمه ماټت أثناء الولادة.
وملهوش حد.
وقفت للحظات طويلة.
الذكريات كلها رجعت.
نفس الرعشة.
نفس الخۏف.
نفس الإحساس بالعجز.
لكن الفرق الوحيد...
إني المرة دي كان عندي شعر أبيض أكتر.
وعمر أطول ورايا.
وفجأة سمعت صوت ضحك.
لفيت ورايا.
لقيت ملك وفريدة ونور واقفين عند سور البيت.
وبيضحكوا.
صړخت
إيه ده؟!
فريدة اڼفجرت من الضحك.
وملك كانت ماسكة تليفون بتصور.
أما نور فقالت
استنى قبل ما تزعل.
قربوا مني.
وأخذت نور الطفل من بين إيديا.
وقالت
ده ابن إحدى البنات اللي كبروا في بيت نوح.
تنفست الصعداء.
وقالت ملك
وإحنا عملنا المقلب ده عشان نفتكرك منين بدأ كل شيء.
ثم مدت لي صندوقًا صغيرًا.
فتحته.
ولقيت بداخله...
صورة قديمة جدًا.
أنا.
واقف قدام باب الشقة القديمة.
وشايل التوأم الثلاثي.
والتاريخ مكتوب أسفلها.
اليوم الأول.
خلف الصورة كانت جملة قصيرة
لو رجع الزمن...
كنت هنعيد الحكاية كلها.
ماقدرتش أتمالك نفسي.
دموعي نزلت.
ليس حزنًا.
بل امتنانًا.
لأن رحلة بدأت بورقة اعتذار ورجل هارب...
انتهت بعائلة كبيرة.
ومؤسسة أنقذت مئات الأطفال.
وحب امتد لأجيال كاملة.
وفي تلك الليلة...
جلسنا جميعًا في الحديقة.
الأحفاد يجرون.
والبنات يضحكن.
وأحفاد الأحفاد يملأون المكان صخبًا.
رفعت رأسي للسماء.
وابتسمت.
وقلت في سري
شفت يا أخويا؟
البنات كبروا.
وكبر معاهم كل الخير اللي بدأ يوم سيبتهم قدام بابي.
وهبت نسمة خفيفة بين أغصان شجرة الليمون.
فأغمضت عيني.
مطمئنًا.
وسعيدًا.
وممتلئًا بكل ما كان ينقصني يومًا.
النهاية التي لا تنتهي... لأن أثر الحب الحقيقي يعيش بعد أصحابه بسنوات طويلة. وبعد الليلة دي بأيام...
كنت قاعد في الحديقة كعادتي.
أحفادي بيلعبوا حواليّ.
وفجأة دخلت نور من الباب وهي ماسكة ظرف كبير.
ملامحها كانت مختلفة.
مش ضحك.
ولا حماس.
فيها شيء من التوتر.
قعدت جنبي وقالت
يا بابا... في حاجة وصلتنا النهاردة.
أخدت الظرف.
كان مرسل من مكتب محاماة.
فتحت الأوراق.
وأول اسم وقع عليه نظري خلاني أرفع حاجبي باستغراب.
اسم أم البنات.
إزاي؟
قالت نور
إحنا كمان اتفاجئنا.
طلعت الأوراق إن فيه قطعة أرض زراعية صغيرة كانت مسجلة باسمها من زمان جدًا في قرية بعيدة.
مكان محدش كان يعرف عنه حاجة.
ولا حتى جوزها.
والأرض فضلت سنين طويلة منسية.
لحد ما الحكومة بدأت إجراءات حصر الأملاك القديمة ووصلوا للورثة.
سكتُّ لحظة.
وبعدين ضحكت.
وقلت
حتى أمكم لسه بتبعت لنا مفاجآت.
بعد أسبوع سافرنا كلنا نشوف الأرض.
كنت متوقع مجرد حتة أرض مهجورة.
لكن لما وصلنا...
لقينا شيء غريب.
في طرف الأرض كان فيه بيت ريفي صغير جدًا.
مقفول من عشرات السنين.
والعمدة قال لنا
البيت ده محدش ډخله من يوم ما صاحبته سافرت.
صاحبته؟
كانت أم البنات.
فتحنا الباب.
والتراب مغطي كل شيء.
لكن المكان كان محافظ على روحه.
صور قديمة.
كتب.
دفاتر.
وصندوق خشب صغير فوق الدولاب.
ملك فتحته.
ولقت جواه عشرات الرسائل.
كل رسالة مكتوب عليها سنة.
2001...
سنوات طويلة.
استغربنا.
بدأنا نقرأ.
واتضح أن أم البنات كانت بتكتب رسائل لبناتها من قبل حتى ما يتولدوا.
أحلامها.
وخۏفها.
وأمنياتها.
وحكايات عن طفولتها.
وكأنها كانت بتجهز لهم ذكريات احتياطية لو غابت يومًا.
فريدة كانت بټعيط وهي بتقرأ.
ونور ساكتة تمامًا.
أما ملك فكانت تضم الرسائل لصدرها.
وفجأة...
في آخر الصندوق.
لقينا ظرف مختلف.
مكتوب عليه
إلى نوح... إذا سبقني العمر.
فتحت الرسالة.
وقرأت
يا نوح...
يمكن عمري ما أقولها لك بشكل مباشر.
لكن وجودك في حياة أخويا كان أكبر نعمة ربنا رزقه بيها.
بلعت ريقي بصعوبة.
وأكملت.
لو يومًا حصل شيء ليا...
أنا عارفة إنك مش هتخذل بناتي.
رفعت رأسي.
ومش قادر أكمل.
لكن نور مسكت الرسالة وأكملت القراءة بدلًا مني.
وكان آخر سطر فيها
بعض الناس بيبقوا أهل پالدم...
وبعضهم بيبقوا أهل بالرحمة.
ساعتها...
أول مرة في حياتي أحس إن أم البنات كانت
متابعة القراءة