ضحيت ب22 سنه جواز
المحتويات
دي...
افتكرت إن مفيش أسرار فاضلة.
الرسالة كان معاها عنوان.
عنوان بيت قديم في مدينة بعيدة.
بعد تردد طويل...
قررت أروح.
وصلت البيت بعد ساعات.
وكان بيت متواضع جدًا.
فتحت الباب ست عجوز عمرها يمكن تعدى السبعين.
أول ما شافتني...
دموعها نزلت.
وقالت
أخيرًا جيت يا نوح.
استغربت.
حضرتك تعرفيني؟
هزت رأسها.
وقالت
أنا خالة أم البنات.
حسيت إن قلبي دق بقوة.
دخلت.
وقعدت قدامها.
طلعت صندوق خشب قديم.
وقالت
البنت الله يرحمها كانت مسيباه عندي.
فتحت الصندوق.
لقيت صور.
وخطابات.
ودفاتر صغيرة.
وأخيرًا...
ظرف مكتوب عليه
إلى نوح.
بصيت للاسم وكأن الزمن وقف.
فتحت الظرف.
وكانت رسالة من أم البنات نفسها.
مكتوبة قبل ۏفاتها بأشهر.
يا نوح...
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا مش موجودة.
بدأت دموعي تنزل.
يمكن تستغرب ليه بكتب لك أنت.
لكن طول عمري كنت عارفة إن لو حصل أي شيء في الدنيا، أنت أكتر إنسان هيحافظ على بناتي.
وقفت القراءة للحظة.
مش قادر أكمل.
لكن كملت.
كنت دايمًا أقول لجوزي إنك أصلب وأحنّ منه.
ضحكت وسط دموعي.
وهي أول ضحكة طلعت مني وقتها.
الرسالة انتهت بجملة قصيرة جدًا
لو كبروا يومًا وصاروا نساء صالحات... فده لأنك كنت موجود.
قفلت الرسالة.
وسكت.
دقايق طويلة.
لا بتكلم.
ولا بفكر.
بس حاسس بدفء غريب جوايا.
كأن حد بعد سنين طويلة جدًا...
أكد لي حاجة كنت محتاج أسمعها.
وأنا راجع بالقطار في الليل...
بصيت من الشباك.
وشفت انعكاس وشي في الزجاج.
وشفت العمر كله.
الشاب اللي كان خاېف من ثلاث رضيعات.
والرجل اللي ضحى بأحلامه.
والأب اللي ما خلفش أبناء...
لكن ربّى عائلة كاملة.
ولما وصلت البيت...
لقيت ملك وفريدة ونور مستنييني.
سألوني
الرحلة كانت عاملة إيه؟
ابتسمت.
وحضنتهم كلهم.
وقلت
أمكم كانت عارفة.
استغربوا.
لكنهم فهموا من دموعي.
وفي تلك الليلة...
جلسنا معًا حتى الفجر.
نحكي ذكريات عمر كامل.
ونضحك.
ونبكي.
ولأول مرة...
لم تكن الذكريات مؤلمة.
كانت جميلة فقط.
جميلة كما تستحق أن تُحكى. مرّت سنوات أخرى...
وكنت كل مرة أقول لنفسي خلاص، دي آخر صفحة.
لكن الحياة كانت كل شوية تفتح صفحة جديدة.
في يوم من الأيام، كنت قاعد في الحديقة تحت شجرة الليمون، أحتسي الشاي، لما سمعت صوت عربية تقف قدام البيت.
نزلت أشوف.
لقيت ملك وفريدة ونور نازلين من العربية، ومعاهم ثلاثة أطفال صغار.
كل واحدة شايلة طفل.
وقفت أضحك وقلت
إيه ده؟ حضانة متنقلة؟
فريدة ضحكت وقالت
لا يا بابا... دول أحفادك.
الكلمة ضړبت قلبي بطريقة غريبة.
أحفادي؟
كنت أعرف طبعًا إنهم اتجوزوا وخلفوا، لكن أول مرة أشوف الأطفال الثلاثة مع بعض.
ولد صغير جري ناحيتي وسأل
إنت بابا نوح؟
ضحكت.
وقلت
أيوه.
قال بثقة
ماما قالت إنك أشجع راجل في الدنيا.
نظرت إلى ملك.
فوجدتها تبتسم والدموع في عينيها.
بعدها دخلنا البيت.
وكان الأطفال يجرون في كل مكان.
يكسرون الهدوء الذي اعتدت عليه.
لكنني اكتشفت أن البيت لم يكن محتاجًا للهدوء أصلًا.
كان محتاجًا للحياة.
في المساء، بينما الجميع يجلس حول السفرة، رفعت نور كوب العصير وقالت
عايزين نقول حاجة.
نظرت إليهم.
قالت
إحنا قررنا نعمل تقليد جديد في العيلة.
سألت
إيه هو؟
قالت
كل طفل في العيلة، أول ما يكبر ويفهم، لازم يعرف قصتك.
اعترضت فورًا
يا بنتي سيبوا العيال في حالهم.
لكن فريدة قالت
لا.
وأضافت ملك
عشان يعرفوا إن العيلة مش بس ډم.
ثم أكملت نور
العيلة اختيار... ومسؤولية... وحب.
سكتُّ.
لأنني لم أجد ما أقوله.
وبعد سنوات أكثر...
في عيد ميلادي الثمانين...
امتلأ البيت.
بناتي.
وأزواجهن.
وأحفادي.
وأطفال بيت نوح الذين كبروا.
وحتى بعض العاملين القدامى في المؤسسة.
البيت كله كان ضحكًا وصخبًا.
جلست أراقبهم فقط.
وفجأة أحسست بيد صغيرة تمسك يدي.
الټفت.
فوجدت أصغر حفيدة لي.
قالت
جدو نوح.
ابتسمت.
وقالت
لما أكبر... أنا كمان هساعد الناس زيك.
ربتُّ على رأسها.
ونظرت حولي.
إلى البيت.
إلى العائلة.
إلى كل تلك الوجوه.
وعرفت وقتها شيئًا واحدًا
أن الرجل لا يُقاس بما جمعه لنفسه...
بل بما تركه في قلوب الآخرين.
والطفل الذي أمسك إصبعي منذ عشرات السنين...
لم يكن ينقذ نفسه فقط.
كان ينقذني أنا أيضًا.
ومن تلك اللحظة...
لم أعد أفكر في ما ضحيت به.
بل في كل ما كسبته.
وهكذا استمرت الحكاية... جيلًا بعد جيل ومع مرور السنين...
بقى اسم بابا نوح أكبر من مجرد اسم شخص.
بقى حكاية.
وحكاية بتتحكي في بيوت كتير.
لكن في ليلة هادئة...
بعد عيد ميلادي
بكم
متابعة القراءة