في صباح جنازة أبي قال المغسل

موقع أيام نيوز

أنها اختفت إلى الأبد.
رسائل تتحدث عن الوكالات.
والأسهم.
والوصية.
وموعد الډفن.
وكمية الأموال التي ستصبح متاحة بعد انتهاء الإجراءات.
ولم يكن محتوى الرسائل وحده صادمًا.
بل تاريخها.
لأن بعضها كُتب قبل ۏفاة أبي بأيام.
أيام كاملة.
في تلك اللحظة لم يعد السؤال
هل كان هناك طمع؟
بل أصبح
إلى أي مدى وصل هذا الطمع؟
وعندما استدعوا زوجي للاستجواب مجددًا، بدأت التناقضات تظهر بشكل لا يمكن إخفاؤه.
مرة يذكر وقتًا معينًا لمغادرة المنزل.
ثم يذكر وقتًا آخر.
مرة يقول إنه اتصل بالإسعاف مباشرة.
ثم يتبين وجود فترة طويلة غير مفسرة.
ومرة يؤكد أنه لم يكن يعرف شيئًا عن بعض المعاملات.
ثم تظهر مستندات تثبت العكس.
وكلما حاول تفسير نقطة...
فتح بابًا جديدًا من الأسئلة.
أما أنا فكنت أراقب كل ذلك وكأنني أعيش داخل حلم ثقيل.
لأن الرجل الذي كنت أدافع عنه أمام أبي لسنوات، والرجل الذي كنت أظن أنه شريك حياتي، بدأ يتحول أمام عيني إلى شخص لا أعرفه.
شخص يزداد غموضًا كلما اقتربنا من الحقيقة.
لكن الحقيقة الكاملة لم تكن قد ظهرت بعد.
لأن هناك شيئًا واحدًا ظل عالقًا في ذهني منذ اليوم الأول.
قبضة أبي.
تلك القبضة التي أخافت زوجي أكثر من أي شيء آخر.
وتلك القبضة التي لم أستطع نسيانها.
وفي إحدى الجلسات، سأل أحد المحققين سؤالًا بسيطًا
لماذا كان المرحوم قابضًا على يده بهذه الطريقة؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قال شخص آخر
ربما لا شيء.
لكنني كنت أعرف أن الأمر لم يكن بهذه البساطة.
لأنني رأيت الخۏف في وجه زوجي عندما ذُكرت اليد.
ورأيته يحاول إنهاء كل شيء بسرعة قبل أن تُفتح.
ورأيته يراقب الغرفة وكأن حياته كلها معلقة بما يوجد داخل تلك القبضة.
ومع تزايد الشبهات، صدر قرار بإجراء فحص شرعي إضافي ومراجعة كل ما يتعلق بالۏفاة من جديد.
لم يكن القرار سهلًا.
ولا مريحًا.
لكنني وافقت عليه.
لأنني كنت مدينة لأبي بالحقيقة.
مهما كانت مؤلمة.
وفي اليوم الذي أُعيد فيه فحص الچثمان، لم أستطع النوم.
بقيت مستيقظة حتى الفجر.
أفكر.
وأتذكر.
وأستعيد كل لحظة مرت منذ تلك الليلة.
حتى جاءت المكالمة.
كانت من المحامي.
وعندما سمعت صوته، عرفت فورًا أن شيئًا كبيرًا قد حدث.
قال
يجب أن تأتي.
لم أسأله لماذا.
ولم أطلب أي تفاصيل.
فقط انطلقت.
وعندما وصلت وجدت عدة أشخاص داخل الغرفة.
وكانت الوجوه متوترة بصورة غير طبيعية.
أما المحامي فكان يحمل ظرفًا شفافًا صغيرًا.
وضعه أمامي.
وقال
هذا ما عُثر عليه.
شعرت أن أنفاسي توقفت.
نظرت إلى الظرف.
وفي داخله كانت توجد ورقة صغيرة مطوية بعناية.
ورقة قديمة.
ومجعدة.
وكأنها ظلت مضغوطة لفترة طويلة.
لم أمد يدي فورًا.
لأنني أدركت أن كل ما حدث منذ ۏفاة أبي قاد إلى هذه اللحظة.
لحظة واحدة فقط.
فتحت الورقة ببطء.
وكان الخط خط أبي.
تعرفت إليه فورًا.
رغم ارتجاف الحروف.
ورغم ضعف الكتابة.
ورغم أن الكلمات بدت وكأنها كُتبت في ظروف صعبة.
لكنها كانت كلماته.
دون شك.
ولم تكن الرسالة طويلة.
بل قصيرة جدًا.
كتب فيها
إذا حدث لي شيء مفاجئ... لا تتعجلوا ډفني. الملف عند المحامي.
فقط.
سطر واحد.
لا اتهام.
لا أسماء.
لا أحكام.
لكن ذلك السطر كان كافيًا.
كافيًا لأنه أثبت شيئًا واحدًا.
أن أبي كان خائفًا.
وأنه توقع حدوث شيء.
وأنه تعمد ربط مۏته بالملف الذي تركه.
وأن خوف زوجي من تأخير الډفن لم يكن مصادفة.
بعد ذلك تسارعت الأحداث بصورة لم يتوقعها أحد.
فالأدلة التي كانت متفرقة بدأت تتجمع.
والملاحظات الصغيرة بدأت تشكل صورة كاملة.
والتحويلات المالية.
وتغيير الأدوية.
والمستندات المعدة مسبقًا.
والوكالات.
والمحادثات المستعادة.
كلها تحولت إلى سلسلة واحدة مترابطة.
ومع مرور الأسابيع صدر القرار الذي انتظره الجميع.

تم نسخ الرابط