في صباح جنازة أبي قال المغسل
المحتويات
نصف ساعة.
نصف ساعة كاملة.
شعرت بشيء ينقبض داخل صدري.
لكني لم أعلّق.
فقط حفظت المعلومة في ذهني.
لأن أبي كان دائمًا يقول إن الكاذب لا يسقط بسبب كڈبة واحدة.
بل بسبب الكذبة الثانية التي ينساها.
ومع مرور الساعات انتهت إجراءات الډفن أخيرًا.
لكن الشعور بالراحة الذي عادة ما يأتي بعد ډفن الأحبة لم يأتِ.
بل على العكس.
كان شعوري يزداد سوءًا.
وكأن أبي لم يُدفن وحده.
بل دُفن معه سر كبير.
سر يحاول أحدهم إخفاءه تحت التراب.
وفي تلك الليلة عدت إلى منزلي منهكة.
لكن النوم لم يزرني.
كلما أغمضت عيني رأيت وجه أبي.
وسمعت صوته.
وتذكرت سؤاله الأخير
هل تثقين بكل من حولك؟
كانت جملة بسيطة.
لكنها أصبحت الآن مخيفة.
لأنني بدأت أشعر أنه لم يسألها عبثًا.
وقرابة منتصف الليل حدث شيء غيّر كل شيء.
رن هاتفي.
وعندما نظرت إلى الشاشة وجدت اسمًا لم أتوقعه.
محامي أبي.
أجبته فورًا.
فسمعت صوته الجاد يقول
أعتذر عن الإزعاج يا ابنتي... لكن يجب أن نلتقي غدًا.
شعرت بالتوتر.
لماذا؟
قال
هناك أمر أوصاني والدك بإبلاغك به شخصيًا.
تجمدت.
أمر ماذا؟
أجاب بعد لحظة صمت
أمر لا أستطيع مناقشته عبر الهاتف.
ثم أنهى المكالمة.
بقيت أحدق في الشاشة لوقت طويل.
وقلبي يخفق پعنف.
لأن أبي لم يكن من النوع الذي يترك وصايا عشوائية.
وإذا كان قد ترك شيئًا عند محاميه...
فلا بد أنه أمر مهم.
وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مكتبه.
كان يقع في بناية قديمة وسط المدينة.
وحين دخلت وجدت الرجل ينتظرني.
وبجانبه ملف بني اللون.
ملف سميك.
أكثر سمكًا مما توقعت.
أشار إلى المقعد المقابل.
وجلست.
ثم دفع الملف نحوي ببطء.
وقال
والدك سلمني هذا قبل ثلاثة أشهر.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
وسألته
ما هذا؟
أجاب
احتفظت به بناءً على طلبه.
ثم نظر مباشرة في عيني.
وأكمل
وقال لي بوضوح... إذا حدث لي شيء مفاجئ، فلا أسلم الملف لأحد سوى ابنتي.
شعرت أن الډم تجمد في عروقي.
وضعت يدي على الملف.
لكنني لم أفتحه بعد.
كنت أخشى ما قد أجده داخله.
وكأنني أعرف مسبقًا أن حياتي لن تعود كما كانت بعد تلك اللحظة.
أما المحامي فتنهد طويلًا.
ثم قال الجملة التي جعلت قلبي يتوقف للحظة
والدك لم يكن يخشى المۏت يا ابنتي...
سكت قليلًا.
ثم أكمل بصوت منخفض
كان يخشى عليكي.. كان يخشى أن يبدو مۏته طبيعيًا.
شعرت بأن الكلمات استقرت فوق صدري كصخرة ثقيلة، وبقيت أحدق في وجه المحامي لعدة ثوانٍ عاجزة عن الرد، لأنني كنت أعرف أبي أكثر من أي إنسان آخر
وأعرف أنه لم يكن من الرجال الذين يستسلمون للوساوس أو يطاردون الأوهام، بل كان يقضي أيامه في حساب كل خطوة قبل أن يخطوها
وإذا وصل به الأمر إلى أن يترك ملفًا كاملًا لدى محاميه ويعطيه تعليمات خاصة لا تُفتح إلا بعد ۏفاته، فذلك يعني أنه كان يرى شيئًا لم نكن نراه نحن، أو أنه بدأ يربط بين أحداث متفرقة بدت للآخرين عادية بينما بدت له خطېرة بما يكفي ليتوقع أن تنتهي حياته بسببها.
أخذ المحامي الملف من أمامي وفتحه عند صفحة معينة ثم دفعها نحوي، فوجدت أمامي عدة أوراق مرتبة بعناية، وكانت كلها مكتوبة بخط أبي، وفي أعلى الصفحة الأولى كتب جملة قصيرة
هذه ليست اټهامات... بل ملاحظات.
وتحتها بدأت قائمة طويلة من التواريخ والأحداث.
في أحد الأسطر كتب
تم تغيير نوع الدواء دون سبب طبي واضح.
وفي سطر آخر
اختفاء بعض ملفات العقود من المكتب.
ثم
محاولة متكررة لمعرفة تفاصيل الوصية.
ثم
وجود خسائر لا تتناسب مع حجم المشاريع المنفذة.
ورغم أن أي ملاحظة منها بمفردها لم تكن كافية لإثبات شيء، فإن اجتماعها كلها في ملف واحد جعلني أشعر بأن أبي كان يعيش وسط دائرة من الشكوك منذ فترة طويلة.
رفعت رأسي نحو المحامي وسألته
هل أخبرك بشيء آخر؟
تنهد الرجل طويلًا.
ثم قال
في آخر لقاء بيني وبينه كان قلقًا أكثر من أي وقت مضى.
ابتلعت ريقي
بصعوبة.
ماذا
قال؟
أجاب
قال إنه
إذا
متابعة القراءة