في صباح جنازة أبي قال المغسل

موقع أيام نيوز

بلا جواب.
هل كانت ۏفاة أبي جزءًا من ذلك كله؟
أم مجرد مصادفة؟
مر يوم آخر.
ثم يوم ثالث.
وفي مساء اليوم الرابع تلقيت اتصالًا لم أتوقعه.
كان من أحد الأطباء الذين أشرفوا على استقبال أبي في المستشفى ليلة ۏفاته.
قال إنه يريد مقابلتي.
وعندما التقينا أخبرني بمعلومة جعلت كل شيء يزداد تعقيدًا.
قال إن الوقت المسجل لوصول أبي إلى المستشفى لا يتطابق مع الوقت الذي أخبرني به زوجي.
بل إن هناك فارقًا كبيرًا بينهما.
فارق يكفي لأن يطرح أسئلة كثيرة.
أسئلة لم يعد من الممكن تجاهلها.
وفي تلك اللحظة فقط اتخذت قراري.
لم أعد أستطيع اعتبار ما يحدث مجرد مصادفات متراكمة.
ولم أعد أستطيع إقناع نفسي بأن كل شيء طبيعي.
لذلك عدت إلى المحامي في صباح اليوم التالي.
ووضعت الملف أمامه.
ثم قلت بصوت ثابت رغم الاضطراب الذي يملأ داخلي
أريد فتح تحقيق رسمي.
نظر إليّ طويلًا.
وكأنه كان ينتظر سماع هذه الجملة.
ثم هز رأسه ببطء.
وقال
كنت أعلم أنك ستصلين إلى هذا القرار.
لم أجب.
لأنني كنت أفكر في شيء واحد فقط.
في أبي.
وفي الليلة الأخيرة التي رأيته فيها حيًا.
وفي الجملة التي قالها قبل أن أغادر.
الجملة التي بدت غامضة وقتها.
أما الآن فقد أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
لقد قال
إذا شعرتِ يومًا أن الجميع يطلب منك الإسراع... فتوقفي.
وأنا أخيرًا... توقفت.
في صباح اليوم التالي خرجت من مكتب المحامي وأنا أشعر أن حياتي انقسمت إلى نصفين؛ نصف انتهى ليلة ۏفاة أبي، ونصف آخر بدأ الآن، نصف لم أعد فيه تلك المرأة التي تكتفي بتصديق ما يُقال لها، أو تقبل التفسيرات الجاهزة لأنها الأسهل والأقل ألمًا، بل أصبحت امرأة تعرف أن وراء كل سؤال مهمل حقيقة قد تغيّر كل شيء، وأن أكثر الأكاذيب خطۏرة هي تلك التي تُقال وسط الفوضى والحزن لأن الجميع يكون مشغولًا عن ملاحظتها.
لم يمر سوى يومين حتى بدأت الجهات المختصة بمراجعة ما قدمناه من مستندات وملاحظات وتقارير، ولم يكن الملف الذي تركه أبي دليلًا على چريمة بحد ذاته، لكنه كان كافيًا لفتح أبواب كثيرة ظلّت مغلقة لفترة طويلة، خصوصًا بعد ظهور نتيجة التحاليل التي أثبتت وجود مادة مهدئة في جسدي يوم الچنازة، وبعد اكتشاف التناقضات المتكررة في الروايات المتعلقة بساعات أبي الأخيرة.
أما زوجي...
فبدأ يتغير.
في البداية حاول أن يبدو هادئًا.
بل ومتعاطفًا.
وقال إنه يتفهم حزني وارتباكي.
وأنه سيدعمني مهما كانت قراراتي.
لكن كلما تقدمت التحقيقات خطوة، كان هدوؤه يتآكل أكثر.
وكلما ظهر سؤال جديد، أصبح أكثر عصبية.
وكلما ذُكر اسم أبي أو الشركة أو الملف الذي تركه، كنت أرى ذلك التوتر القديم يعود إلى عينيه من جديد.
وفي الأسبوع التالي حدث ما لم يكن يتوقعه أحد.
فأثناء مراجعة السجلات الطبية الخاصة بأبي، اكتشف المحققون أن هناك اختلافًا بين الوصفة العلاجية الأصلية التي كتبها طبيبه المختص وبين بعض الأدوية التي كانت تصل إليه خلال الأشهر الأخيرة.
لم يكن الاختلاف كبيرًا.
لكنه كان موجودًا.
وكان كافيًا لطرح سؤال جديد.
من الذي كان يحصل على الأدوية؟
ومن الذي كان يعرف تفاصيلها؟
ومن الذي كان يستطيع الوصول إليها؟
وبينما كانت هذه الأسئلة تتراكم، ظهر أمر آخر أكثر خطۏرة.
فقد كشفت التحقيقات المالية أن الأموال التي خرجت من الشركة لم تكن عشوائية كما بدا في البداية، بل كانت تسير ضمن نمط واضح، وكأن شخصًا ما كان يستنزف المؤسسة بهدوء وعلى مراحل صغيرة حتى لا يلفت الانتباه.
وحين تمت مراجعة التواقيع والموافقات والإجراءات الإدارية، بدأت الأسماء تتكرر.
الاسم نفسه.
ثم الاسم نفسه مرة أخرى.
ثم الاسم نفسه في ملف ثالث ورابع وخامس.
وعندها فقط بدأت الصورة تكتمل.
لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ من الشركة.
بل من الهاتف.
فقد
تمكن المختصون
من استعادة محادثات ورسائل
ظن أصحابها
تم نسخ الرابط