بنتك رجعت سما سامح
بنتك رجّعت في العربية، فسبناها على جنب الطريق. ماكنّاش هنسيبها تبوّظ الرحلة على باقي العيال.
دي كانت أول جملة قالتها أمي، أمينة، في التليفون يوم التلات الساعة 1137 الصبح، وأنا قاعدة في الشغل قدام اللابتوب، وفجأة حسّيت إن قلبي وقع من مكانه.
في الأول افتكرت إني سمعت غلط.
قلت لها يعني إيه سبتوها يا ماما؟
على الطرف التاني، أمي تنهدت كأني أنا اللي ببالغ.
يا نهى، بلاش نبدأ بقى. ملك دوختها العربية ورجّعت شوية، وأولاد أخوكي خافوا. وإحنا أصلًا كنا متأخرين على الطيارة. سبناها في مكان آمن جنب كشك، وبعتنالك اللوكيشن.
وسمعت صوت أبويا، حسن، في الخلفية وهو بيقول
قولي لها ما تعملش دراما. البنت كويسة.
حسّيت الډم بيتسحب من وشي.
إنتوا سبتوا بنت عندها تمن سنين لوحدها على الطريق؟!
أمي ردت بسرعة
مش لوحدها... كان فيه ناس حواليها.
كڈبة.
بعتوا الموقع وقفّلوا المكالمة.
ما صرختش. ما عيطتش. ما طلبتش تفسير.
خدت شنطتي ومفاتيح العربية وجريت برا الشركة من غير ما أقول كلمة لحد.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إني بالعافية عرفت أفتح الموبايل وأنا في الأسانسير.
بصيت على اللوكيشن.
كان على بعد حوالي نص ساعة.
نقطة صغيرة على طريق جانبي مهجور، من الطرق اللي كلها نقل وتراب وصمت.
وطول الطريق، جملة واحدة كانت بتلف في دماغي
ما تعمليش دراما.
الجملة دي كانت شعار أهلي طول عمرهم.
لما كانوا يجرحوا حد، يقولوا إنه قرار عملي.
لما يهينوا حد، يقولوا لمصلحته.
ولما أعترض، يبقى أنا اللي باخد الأمور بشكل شخصي.
بس المرة دي الموضوع ماكانش عني.
كان عن ملك.
ولما وصلت...
شفتها.
بنتي كانت واقفة جنب عمود كهربا قديم، ماسكة شنطتها البنفسجي في كأنها آخر حاجة أمان في الدنيا.
وشها كان أحمر.
وعينيها وارمين من كتر العياط.
وشعرها لازق في خدودها من الحر والعرق.
ماكانش فيه كشك.
ماكانش فيه ناس.
ماكانش فيه أي حاجة.
غير صوت العربيات البعيد والهواء السخن اللي طالع من الأسفلت.
أول ما شافتني جريت ناحيتي.
ماماااا!
أنا هنا يا حبيبتي... خلاص... أنا جنبك.
لكن الحقيقة إن الموضوع ماكانش خلص.
كانت بترتعش.
وقالت بصوت متقطع
تيتا قالت إني بوظت الرحلة كلها... وقالت لو ركبت العربية تاني أولاد خالي ممكن يعيوا هما كمان. قلت لهم إني بس دوخت من العربية... بس جدو قال مافيش وقت.
بعدتها شوية وبصيت في عينيها.
إنتِ بس رجّعتي عشان العربية دوختك؟
هزّت راسها.
كنت مكسوفة... حاولت أستحمل، بس ماقدرتش. قالوا هيبقى ذنبي لو فاتهم الطيران.
ساعتها الحقيقة ضړبتني بقوة.
ماكانش عندها دور برد.
ماكانش عندها سخونية.
ماكانش عندها مرض معدي.
دي مجرد طفلة عندها تمن سنين، دوخت من الركوب في عربية زحمة، مليانة عيال وصوت وحر.
وأهل أمي وأبويا رموها على الطريق كأنها شنطة عطلتهم.
ساعدتها تركب العربية.
نضفت وشها.
اديتها مية.
وربطت لها الحزام بهدوء، كأني خاېفة أي حركة زيادة تكسرها أكتر.
وبعدين قلت لها
اسمعيني كويس يا ملك... إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط. ولا حاجة. الغلط كله منهم.
بصت لإيديها وسألت بصوت ضعيف
هما مش هيحبوني تاني؟
في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت للأبد.
قلت لها