لو سمحت يابيه

موقع أيام نيوز

كان رجلًا من بولاق الدكرور، يعرف تفاصيل الشوارع الخلفية، وكان يعمل مع كامل منذ الأيام التي كانوا يركبون فيها المواصلات العامة.
حسن.. سيبك من العربية المرسيدس النهاردة. هات عربيتك الشاهين القديمة، والبس لبس عادي. ورانا مشوار. قال كامل ونبرة صوته حاسمة وخالية من الغرور المعتاد.
نظر حسن إلى رئيسه باستغراب، لكنه أومأ برأسه أمرك يا كامل بيه. على فين؟
على محطة الأتوبيس اللي ورا جامعة الدول.. ومن هناك هندور على بنت صغيرة اسمها نور، وأمها مريم.
بدأت رحلة البحث في أزقة وشوارع الجيزة الخلفية. كانت المهمة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، لكن حسن استخدم علاقاته مع الباعة الجائلين وسائقي الميكروباص. أراهم صورة مريم القديمة ووصف لهم الطفلة ذات الجاكيت الصوف الواسع والشبشب المقطوع.
بعد أربع ساعات من البحث المضني تحت أشعة الشمس الحاړقة، قادهم بائع عيش عجوز إلى منطقة عشش السودان، وهي منطقة عشوائية تختبئ خلف الأبراج الشاهقة.
البنت دي وأمها عايشين في أوضة فوق السطوح في بيت عم صالح الحلاق.. بس الست مريضة جدًا، والكل هنا مستني ۏفاتها بين يوم والتاني. قال البائع بحزن.
صعد كامل بيه السلاب، الرجل الذي لا يطأ حذاؤه إلا السجاد الإيراني، سلمًا إسمنتيًا ضيقًا ومتهدمًا. كانت الرائحة في المكان مزيجًا من الفقر والرطوبة ومياه الصرف الصحي. حين وصل إلى السطح، وجد بابًا خشبيًا متهالكًا. طرق الباب بخفة.
فتحت نور الباب. كانت ملامحها متعبة أكثر من الليلة الماضية، وفي يدها كيس بلاستيكي صغير يحتوي على بضعة أرغفة من العيش وجبن أبيض رخيص. حين رأت كامل، تراجعت خطوة، وبرقت عيناها پخوف طفولي أنت جيت تاخد الألف جنيه؟ أنا صرفت منها مېت جنيه بس والله عشان العلاج والاكل.. والباقي جوه.
انحنى كامل على ركبتيه ليصبح في مستوى طولها، والدموع تغالب عينيه لا يا نور.. أنا مش جاي آخد الفلوس. أنا جيت أوفي بوعدي.. جيت أصون لولا، وأصونك أنتِ وماما.
دلف كامل إلى الغرفة الضيقة. على سرير حديدي قديم، كانت ترقد مريم. لم تعد تلك الفتاة النضرة التي في الصورة. كانت جسدًا نحيلًا، وجهها شاحب كالمۏت، وتتنفس بصعوبة بالغة مستعينة بجهاز تنفس بدائي وبسيط. حين فتحت عينيها ورأت كامل، حاولت النهوض پذعر، لكن يد كامل الهادئة منعتها.
كامل بيه؟ همست بصوت مبحوح. أنت.. أنت لقيت العروسة؟
بكى كامل لأول مرة منذ ۏفاة والده، وأمسك بيدها الباردة لقيتها يا مريم.. ولقيت الأمانة. سامحيني يا بنتي.. أنا اللي سبت الحيتان يكبروا لحد ما نهشوا لحمنا.
قالت مريم بضعف وهي تنظر إلى ابنتها عزمي النجار عرف إني هربت بالمستندات زمان.. طاردني في كل مكان، حړق بيتي القديم، ومۏت جوزي في حاډثة ميكروباص متدبرة.. عشت هنا مستخبية باسم مستعار عشان أحمي نور.. ولما حسيت إن دنيتي بتخلص، ملقتش طريقة غير إن نور تروحلك بنفسها.. كنت عارفة إنك لو شفت ملامحها، أو لو قلبك لسه فيه ريحة أبويا، مش هتسيبها.
الفصل الثاني شباك الديناصور
في تلك اللحظة بالذات، رن هاتف كامل بيه مجددًا. هذه المرة أجاب.
أهلاً عزمي بيه. قال كامل محاولاً السيطرة على نبرة صوته.
جاء صوت عزمي النجار عبر الهاتف، صوتًا غليظًا، يقطر ثقة وتهديدًا مبطنًا إيه يا كامل؟ مبتردش ليه من امبارح؟ الغيبة دي مش عوايدك، وإحنا عندنا توقيع عقود المستشفى الجديد بكرة الصبح مع المستثمرين الأجانب. حضورك إلزامي، وإلا الشروط الجزائية هتتفعل.. وأنت عارف الشروط
الجزائية يعني إمبراطورية السلاب كلها تبقى ملكي.
نظر كامل إلى مريم ونور، ثم قال أنا جاي يا عزمي.. وبكرة الصبح

العقود
تم نسخ الرابط