لو سمحت يابيه
المحتويات
بل بالشراء. سألها بصوت حاول أن يجعله هادئًا عايزة فيها كام يا شاطرة؟
ردت بسرعة ودون تردد تسعين جنيه.. عشان أجيب بيهم عيش وشوربة، والعلاج اللي أمي محتاجاه جوة البيت.
فتح كامل محفظته الجلدية الفاخرة. استعرضت عيناه الأوراق النقدية؛ لم يكن هناك أي فئات صغيرة. سحب ورقة من فئة الألف جنيه، ومدها إليها.
برقت عينا نور پصدمة تراجعت على أثرها خطوة بس أنا معيش فكة يا بيه أرجعلك الباقي.
مش عايز باقي.. خديها.
نظرت الطفلة إلى الألف جنيه، ثم إلى العروسة لولا. ضمت العروسة إلى صدرها لآخر مرة، وقبلتها قبلة سريعة، ثم رفعت رأسها وسألته ببراءة قطعت نياط قلبه هتاخد بالك منها وتصونها يا بيه؟
شعر كامل بغصة غريبة تخنق حنجرته، غصة لم يشعر بها منذ عقود. أجاب بصوت خفيض، كأنه يقطع عهدًا أمام محكمة آه.. هصونها.. أوعدك.
وضعت الطفلة العروسة بين يديه الكبيرتين، والتفتت تجري بأقصى سرعة ممكنة، واختفت بين زحام محطة الأتوبيس، بينما ظلت يدها الصغيرة مغلقة بقوة على الورقة النقدية.
الفصل الثاني نبض في جوف القماش
ألغى كامل بيه اجتماعه. اعتذر بوعكة صحية طارئة، وهو أمر لم يفعله طوال ثلاثين عامًا من العمل المتواصل. جلس في المقعد الخلفي لسيارته، والعروسة القماشية مستلقية بجانبه على الجلد الفاخر. كان يتأملها بنوع من الريبة؛ عروسة مصنوعة من قماش جبردين زيتي اللون، تشبه ملابس العمال في المصانع، وعيناها عبارة عن زرارين أسودين قديمين، وفمها مطرز بخيط أحمر سميك.
حين وصل إلى شقته الفخمة في حي الزمالك، الشقة التي تطل على النيل وتتسع لعشر عائلات لكنه يعيش فيها بمفرده منذ ۏفاة زوجته وانشغال أولاده في الخارج، ألقى بجاكيته على الأريكة، وأخذ العروسة ووضعها على طاولة رخامية إيطالية ثمينة في مكتبه. كانت الطاولة تضم عقودًا بملايين الجنيهات، وقلمًا من الفضة الخالصة، وكأسًا من مشروب مستورد يهدئ به أعصابه كل ليلة.
قعد على كرسيه الجلدي الهزاز، وفك رابطة عنقه الكرافتة بتعب. مد يده ليمسك بالكأس، وفي اللحظة التي لامست فيها شفتاه حافة الزجاج، ساد الصمت في الشقة الواسعة... ثم انكسر الصمت.
خششش... خششش...
كان الصوت خفيفًا، كأنه احتكاك ورق جاف.
ثم تبعه صوت آخر.. أنين مكتوم وخاڤت جدًا أأأه...
توقف كامل عن الحركة. تجمد الكأس عند شفتيه. الټفت ببطء نحو النوافذ المغلقة بإحكام، ثم نحو الباب. ظن أن دقات قلبه أو ضغط دمه المرتفع يتهيأ له الأصوات. أعاد الكأس إلى الطاولة، لكن الصوت تكرر، وهذه المرة كان واضحًا ومحدد الاتجاه.
الصوت كان يخرج من العروسة القماشية.
نظر كامل إلى العروسة المرمية على الرخام البارد ووجهها المتخيط ينظر إلى السقف الجبسي الفاخر. اقترب بجسده، وحبس أنفاسه.
وفجأة... تحركت بطن العروسة.
حركة خفيفة، ارتفاع وانخفاض بالكاد يُرى بالعين المجردة، كأن هناك كائنًا صغيرًا محبوسًا بالداخل يحاول أن يستنشق الهواء، أو كأن القماش يرفض احتواء ما بداخله.
شعر كامل بقشعريرة تسري في عموده الفقري. هذا الرجل الذي واجه حيتان المال ولم يهتز، شعر بيده ترتجف وهو يفتح درج مكتبه ليخرج مقصًا معدنيًا حادًا. اقترب من العروسة، وأمسك بجسدها المرن. وضع حد المقص عند الخياطة السميكة التي تغلق بطنها، وبدأ يفك الغرز بحذر شديد، غرزة تلو الأخرى.
تناثرت بعض قطع القطن القديم الأصفر، وظهرت معها خيوط دايبة تفوح منها رائحة رطوبة قديمة... ورائحة أخرى مألوفة، رائحة زيت الماكينات والمصانع.
لم يكن بالداخل قطن فقط.
أدخل كامل أصابعه وسحب شيئًا صلبًا مغلفًا ببلاستيك شفاف ومحكم الإغلاق بشريط لاصق عريض.
أزال البلاستيك بسرعة
ونفاد صبر، لتسقط على الطاولة الرخامية مجموعتان من الأشياء
الأولى فلاش ميموري Flash
متابعة القراءة