قبل ساعات من سفري عدت إلى المنزل لأنني نسيت جواز سفري
وسنبني عليها مركزًا نهاريًا لكبار السن.
يضم قاعة طعام.
وعيادة صغيرة.
وورشًا مختلفة.
ومساعدة قانونية لمن يحتاجها.
وسيحمل اسم دار أم أحمد.
تجمدت في مكانها.
وقالت
لا.
فقلت
بلى.
لا تنفق كل هذا من أجلي.
ابتسمت.
وقلت
ليس من أجلك فقط...
بل بسببك.
فبكت.
واحتضنتها.
وفي تلك اللحظة مرّ الأطفال بجوارنا دون أن يعلموا أن امرأة قصيرة القامة، تتكئ على عصا مزينة بالورود، أصبحت للتو اسمًا لمكان سيمنح الأمان لكثير من الناس.
وبعد عام كامل...
افتتحت دار أم أحمد أبوابها.
لم تكن أرضياتها من الرخام.
ولم أكن أريد
ذلك أصلًا.
لكنها كانت تضم ممرات آمنة.
ومصاعد ومنحدرات تسهّل الحركة.
وضوء شمس طبيعي.
وكراسٍ مريحة.
وقهوة ساخنة.
وجدرانًا امتلأت بصور رجال ونساء مسنين يبتسمون دون أن يحتاجوا إلى إذن من أحد ليشعروا بقيمتهم.
وقصّت أمي شريط الافتتاح بنفسها.
لم تكن ترغب في إلقاء كلمة طويلة.
لكن عندما انتهى التصفيق، تقدمت نحو الميكروفون.
وقالت بصوت هادئ
أريد أن أقول شيئًا واحدًا فقط.
ساد الصمت في القاعة.
ثم أكملت
إذا اشتكى لكم كبير في السن من شيء... فصدقوه.
وإذا قال لكم إنه خائڤ... فصدقوه.
وإذا ظل صامتًا... فاقتربوا منه أكثر.
لم ينطق أحد بكلمة.
ثم دوّى التصفيق من جديد.
أما أنا...
فكنت أقف خلفها وأبكي دون أن أحاول إخفاء دموعي.
وبعد عدة أشهر، وصلتني رسالة من سارة من مركز التوقيف.
لم أفتحها.
أعطيتها مباشرة لمحاميّ.
فقال لي
ألا تريد أن تعرف ماذا كتبت؟
قلت
لا.
ربما تطلب منك السماح.
نظرت إلى أمي.
كانت تجلس في إحدى قاعات المركز تعلم امرأة مسنة لعبة المحيبس التي اعتادت لعبها في شبابها.
ثم قلت
المسامحة لا تعني أن أعود لفتح الباب لمن أغلقته بنفسي.
ابتسم المحامي وقال
يبدو أنك تعلمت أخيرًا.
نعم.
لقد تعلمت.
تعلمت أن الإنسان لا يُقاس بحلاوة كلامه.
بل بطريقة تعامله مع من لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
وتعلمت أن المظاهر قد تخدع.
وأن الثياب الأنيقة والابتسامات المصطنعة قد تخفي وراءها قلوبًا قاسېة.
وتعلمت أن الأم قد تصمت حبًا.
لكن من واجب الابن أن يفهم حتى ذلك الصمت.
وتعلمت أيضًا أن جواز السفر الذي نسيته ذلك اليوم لم يكن مجرد نسيان.
بل رحمة من الله.
فلو لم أعد إلى المنزل في تلك اللحظة...
لكنت سافرت وأنا أعتقد أنني تركت أمي في أيدٍ أمينة.
وربما كانت سارة ستكمل ما خططت له.
وربما كانت الحقائق ستُدفن.
وربما كانت ستقف في مجلس العزاء بثوب أسود ودموع باردة لا تشبه الحزن.
لكنني عدت.
وفتحت الباب.
ورأيت الحقيقة بعيني.
ورغم أنني تأخرت كثيرًا...
فإنني وقفت أخيرًا في صف أمي.
واليوم...
في صباح كل جمعة، أجلس مع أمي في حديقة المنزل بعد عودتنا من الصلاة.
نشرب الشاي بالهيل.
ونأكل الكليجة التي تحبها.
وأستمع إلى حكاياتها القديمة التي كنت أظن أنني أعرفها كلها.
وأحيانًا تنظر إلى البيت من حولها.
ثم تقول بابتسامة هادئة
الحمد لله... بيتي جميل.
فأبتسم وأجيبها دائمًا بالكلمات نفسها
ليس جميلًا فقط يا أمي...
بل آمن.
فتبتسم.
وتلك الابتسامة...
الخالية من الخۏف.
والخالية من الإهانة.
والخالية من الدموع التي كانت تخفيها عني.
أغلى عندي من أي صفقة.
وأغلى من أي مال.
وأغلى من كل البيوت التي بنيتها في حياتي.