قبل ساعات من سفري عدت إلى المنزل لأنني نسيت جواز سفري
المحتويات
كاميرات المراقبة.
والتخلص من ملابس سارة.
وإزالة الصور.
وحړق بطاقات الدعوة.
أما فستان الزفاف فبقي داخل صندوقه حتى جاءت عائلتها وأرسلت من يستلمه.
وعرفت لاحقًا أن سارة اختارت فستانًا كان ثمنه أغلى من أول شاحنة اشتريتها عندما بدأت عملي.
فضحكت.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل لأنني كنت على وشك أن أستبدل أمي بامرأة ترتدي ثوبًا أبيض.
وعندما عادت أمي إلى المنزل...
لم تعد رائحة المكان تشبه عطر سارة.
بل أصبحت تفوح منه رائحة شوربة الدجاج.
والقرفة.
والأرضيات النظيفة.
دخلت أمي ببطء.
متكئة على عصا جديدة اشترتها لها ليلى.
عصا خشبية خفيفة.
مرسوم عليها زهور صغيرة.
قلت
إنها جميلة.
فابتسمت وقالت
أجمل من أن تحملها امرأة عجوز مثلي.
جثوت أمامها مباشرة.
وقلت
لا أريد أن أسمعك تقولين ذلك مرة أخرى.
ارتجفت شفتها.
وقالت
هي كانت ترددها عليّ كثيرًا.
حتى صدقتها.
شعرت وكأن شيئًا ېمزق صدري.
فقلت
إذن سنقتلع هذه الكلمات من رأسك.
في تلك الليلة تناولنا العشاء معًا.
أنا.
وأمي.
وليلى.
طعام بسيط.
يشبه الطعام الذي نشأنا عليه.
أكلت أمي القليل.
لكنها أكلت.
وفي منتصف العشاء قالت فجأة
في الحقيقة... كنت أحب سارة.
طرقت ليلى الطاولة بخفة.
وقالت
أمي!
لكن أمي أكملت
أحببتها لأنك كنت تحبها يا أحمد.
لم أستطع ابتلاع اللقمة.
وقلت
لم يكن ينبغي أن تتحملي كل ذلك بسببي.
فقالت
الأمهات يفعلن أشياء غير منطقية أحيانًا حتى لا يحرمن أبناءهن من فرحتهم.
قلت
لكنني لم أكن سعيدًا يا أمي.
كنت مخدوعًا فقط.
نظرت إليّ بعينيها المتعبتين.
وقالت
المهم أنك استيقظت أخيرًا.
أما القضية...
فاستغرقت وقتًا طويلًا.
لم تدخل سارة السچن فورًا كما كنت أتخيل في ليالي ڠضبي.
كانت هناك جلسات.
واستئنافات.
وشهادات خبراء.
ومحامون باهظو الأتعاب.
وتأجيلات كثيرة.
وتعلمت أن العدالة لا تأتي دائمًا بسرعة.
أحيانًا تأتي مع ورقة.
ثم أخرى.
وختم.
ثم ختم آخر.
وصبر مرير.
لكنها جاءت في النهاية.
وفي النهاية وُجهت إلى سارة تهم العڼف الأسري.
والاعتداء.
والتزوير.
ومحاولة الاحتيال.
كما فُتح تحقيق جنائي آخر في قضية التأمين.
أما والدها...
فتوقف عن الاتصال عندما أدرك أن فريقي القانوني لا يستجيب للتهديدات المغلفة بالكلام المهذب.
وسلوى لم تفقد وظيفتها.
بل احتفظت بها شركتي.
أما مروان فبقي إلى جانبي.
وأما العقد الذي كنت سأوقعه في نيويورك...
فلم ينهَر.
لقد تأجل فقط.
وعندما سافرت أخيرًا بعد عدة أشهر، اصطحبت أمي معي إلى المطار.
لم تكن مسافرة.
كانت تريد فقط أن تودعني.
وفي صالة المغادرة، بينما كانت الشاشات تعلن مواعيد الرحلات والناس يجرّون حقائبهم على عجل، عدّلت أمي ربطة عنقي كما فعلت في ذلك الصباح.
ثم قالت
الآن تستطيع أن تسافر وأنت مرتاح البال يا بني.
أمسكت بيديها.
وقلت
لا أريد أن أتركك.
ابتسمت وقالت
أنت لا تتركني يا أحمد... أنت تعود.
احتضنتها برفق.
وقلت
وعدتك أنك لن تتألمي مرة أخرى.
هزّت رأسها وقالت
لا تعدني بالمستحيل يا بني... فقط عدني أنك ستصدقني.
آلمني كلامها.
لأنه كان أصدق.
فقلت
أعدك.
وعندما عدت من نيويورك، كان العقد قد تم توقيعه.
لكنني لم أذهب مباشرة إلى الشركة.
بل ذهبت إلى مركز اجتماعي قديم كانت أمي تعد فيه الطعام قبل سنوات، تحت مظلة مهترئة، لتجمع ما يكفي من المال لتسجيل اسمي في المدرسة.
كان المبنى ما يزال قائمًا.
وجدرانه الملوّنة ما تزال كما هي.
والأطفال ما يزالون يركضون في ساحته.
طلبت من أمي أن ترافقني.
فنظرت إليّ باستغراب وقالت
لماذا أحضرتني إلى هنا؟
أشرت إلى إحدى الزوايا.
وقلت
من هنا بدأت شركتي.
ضحكت.
وقالت
كنت تبيع المأكولات الخفيفة هنا، لا البيوت.
ابتسمت وقلت
هنا تعلمت كيف أبني.
وكيف أصبر.
وكيف لا أسرق.
وكيف أنظر إلى الناس في أعينهم.
وأنتِ من علمتني كل ذلك.
خفضت أمي رأسها خجلًا.
وقالت
يا بني...
فقاطعتها
اشتريت قطعة أرض قريبة من هنا.
رفعت رأسها نحوي.
فأكملت
متابعة القراءة