تركت ابنتي ابنها مصطفى، البالغ من العمر خمس سنوات
تركت ابنتي ابنها مصطفى، البالغ من العمر خمس سنوات والمصاپ بالتوحّد، عندي جالسًا على أرضية غرفة الضيوف يرتب سياراته الصغيرة في صف مستقيم كعادته، ثم غادرت وهي تؤكد أنها ستعود بعد أيام قليلة. بعد يومين فقط، اتصلت وقالت ثماني كلمات غيّرت حياتي إلى الأبد
نظر مصطفى إلى سارة للمرة الأولى منذ دخلت قاعة المحكمة.
ثم حوّل بصره سريعًا نحو الشاشة.
كان واضحًا أنه لا يحتمل النظر إليها طويلًا.
شدّ الكوب الأصفر القديم بين يديه للحظات.
ثم قال بصوت خاڤت
هذا... ليس صحيح.
ساد الصمت في القاعة.
تقدّم نحو الشاشة بخطوات مترددة، ثم أوصل حاسوبه المحمول بها.
ظهرت أول وثيقة.
كانت إيصالات تزعم أن والدته أرسلت نفقات شهرية طوال السنوات الماضية.
أشار إليها بإصبعه وقال
تاريخها... لا يطابق تاريخ فتح الحساب.
ثم صمت.
كانت الكلمات القليلة تستنزف جهده.
أخذ نفسًا عميقًا.
وانتقل إلى الملف التالي.
ظهرت مجموعة من المستندات والتواقيع.
وقال
هذه أُعدّت في وقت متقارب... رغم أنها تدّعي أنها صادرة خلال سنوات مختلفة.
بدأ القاضي يتفحص الأوراق من جديد.
أما المحامي فاختفت الثقة من وجهه شيئًا فشيئًا.
تابع مصطفى عرض ملفاته.
تقارير المدرسة.
سجلات المراجعات الطبية.
إيصالات جلسات التأهيل.
استمارات التسجيل السنوية.
كلها تحمل اسمي باعتباري المسؤولة عنه.
وتمتد دون انقطاع عبر أحد عشر عامًا كاملة.
كنت أحتفظ بهذه الأوراق منذ طفولته داخل خزانة صغيرة في المنزل.
وبعد أن كبر، تولى مصطفى بنفسه أرشفتها وترتيبها إلكترونيًا بدقة مذهلة.
عندها وقفت المحامية هدى وقالت
سيدي القاضي، هذه مستندات رسمية صادرة من جهات مختلفة وعلى مدى سنوات طويلة، وهي تثبت بصورة واضحة من كان يتولى رعاية الفتى فعليًا.
هز القاضي رأسه وهو يقلب الأوراق أمامه.
أما مصطفى فكان يتنفس بصعوبة.
كانت القاعة مزدحمة.
الأصوات كثيرة.
والأضواء ساطعة.
رأيت أصابعه ترتجف فوق حافة الطاولة.
وكان يهز قدمه بعصبية خفيفة تحت المقعد، وهي عادة يفعلها كلما شعر بالتوتر الشديد.
لكنه لم يتراجع.
فتح مجلدًا أخيرًا.
ولم تكن بداخله أي وثائق.
بل صور.
مئات الصور.
ظهرت أول صورة على الشاشة.
كنت أجلس بجانبه في إحدى جلسات التأهيل.
ثم صورة أخرى.
في اليوم الذي نطق فيه كلمة ماء لأول مرة.
ثم صورة ثالثة.
في أول يوم دراسي له.
ثم أخرى.
في عيد ميلاده.
ثم أخرى.
في المستشفى.
ثم أخرى.
في المنزل.
وفي كل مرحلة من حياته كنت هناك.
وفي معظم الصور ظهر ذلك الكوب الأصفر القديم الذي لم يفارقه يومًا.
شعرت بغصة تخنقني.
أما مصطفى فظل ينظر إلى الشاشة.
لا إلى والدته.
ولا إلى القاضي.
ولا إلى أحد.
ثم قال بعد صمت طويل
لا أملك أي ذكرى حقيقية مع أمي.
ساد الصمت في القاعة.
ورأيت سارة تشحب ملامحها فجأة.
أما مصطفى فشدّ الكوب الأصفر بين يديه وكأنه يتمسك بشيء مألوف وسط ذلك الضجيج المرهق.
ثم أضاف بصوت خاڤت
لا أتذكر أنها زارتني.
وتوقف لثوانٍ.
لا أتذكر أنها اتصلت.
ابتلع ريقه بصعوبة.
كانت الكلمات تخرج منه ببطء شديد.
ثم قال
لكنني أتذكر جدتي.
ظهرت صورة جديدة على الشاشة.
كنت أجلس بجانبه في المستشفى.
ثم أخرى في المدرسة.
ثم أخرى في المنزل.
أحد عشر عامًا كاملة.
في كل صورة كنت هناك.
أما سارة...
فلم تظهر في أي واحدة منها.
رفع مصطفى عينيه نحو