طردتني زوجتي لأنني لم أكن أملك سوى ثمن رغيف خبز واحد
أبناء ولا إخوة ولا أي وارث معروف.
وحين انتهت الإجراءات اللازمة، حصلت على نصيب كبير من الثروة بوصفى مكتشفها
وكان ذلك النصيب وحده أكبر مما حلمت بامتلاكه طوال حياتي.
وفجأة تغير كل شيء.
الرجل الذي لم يكن يملك ثمن رغيف خبز.
أصبح يملك ما يكفي ليعيش عمره كله دون أن يحتاج إلى العمل يومًا واحدًا.
والرجل الذي طُرد من منزله أمام الجيران.
أصبح حديث القرية كلها.
لكن أكثر ما فاجأني لم يكن المال.
بل الناس.
الناس الذين كانوا يتجنبون النظر إلى وجهي أصبحوا يبتسمون لي كلما مررت بهم.
والناس الذين كانوا يرونني مثالًا للفشل أصبحوا يتحدثون عني وكأنني رجل استثنائي.
بل إن بعضهم بدأ يقسم أنه كان يؤمن بي منذ البداية.
وهنا أدركت شيئًا مهمًا.
الفقر لا يكشف لك فقط حقيقة جيبك.
بل يكشف لك حقيقة من حولك أيضًا.
ورغم كل ما حدث، لم أستطع أن أنسى تلك الأيام التي كنت أبحث فيها عن ثمن الطعام.
لم أستطع أن أنسى نظرات المحتاجين.
ولا البيوت المتهالكة التي كنت أمر بجوارها كل يوم.
ولا الأرامل اللواتي كن يحاولن إخفاء حاجتهن عن الناس.
ولذلك كان أول شيء فعلته هو سداد ديوني كلها.
ثم ذهبت إلى المخبز.
المخبز نفسه الذي رفض صاحبه أن يعطيني رغيفًا بالدين قبل أيام قليلة.
دخلت إليه.
فرأيته يحدق بي في ارتباك.
ابتسمت.
ثم طلبت منه أن يجمع أسماء كل المحتاجين الذين يشترون منه بالدين.
وسددت ديونهم جميعًا.
لم أفعل ذلك انتقامًا.
ولا استعراضًا.
بل لأنني كنت أعرف شعور الرجل الذي لا يملك ثمن الخبز.
وبعد ذلك بدأت أبحث عن كل أسرة تحتاج إلى المساعدة.
ورممت البيوت التي كانت الأمطار تتسرب إلى داخلها كل شتاء.
وساعدت المرضى الذين كانوا يعجزون عن شراء العلاج.
وساهمت في بناء عيادة صغيرة لأهل القرية.
ثم مسجد يتسع للجميع.
ثم صندوق دائم لمساعدة الأرامل والأيتام.
وكانت المفارقة العجيبة أنني كلما أنفقت من المال شعرت براحة أكبر.
راحة لم أشعر بها وأنا أنظر إلى الأرقام داخل الحسابات.
ولا وأنا أرى ما أملكه.
بل وأنا أرى أثر ذلك المال في حياة الآخرين.
أما زوجتي...
فقد سمعت بكل ما حدث.
وسمعت بما فعلته بالمال.
وسمعت بما أصبحت أملكه.
وفي أحد الأيام وجدتها تقف أمامي.
كانت مختلفة عن آخر مرة رأيتها فيها.
ففي المرة الأخيرة كانت تنظر إليّ باحتقار.
أما الآن فكانت تنظر إليّ بعينين ممتلئتين بالندم.
وظلت صامتة لعدة لحظات.
ثم قالت بصوت مرتجف
سامحني.
نظرت إليها طويلًا.
وتذكرت ذلك اليوم.
اليوم الذي ألقت فيه الحقيبة عند قدمي.
واليوم الذي أخبرت فيه الجميع أنني رجل لا مستقبل له.
لكنني لم أشعر بالڠضب.
ولم أشعر بالرغبة في الاڼتقام.
فقد كنت قد تعلمت شيئًا أهم من ذلك كله.
لذلك قلت بهدوء
عندما كنت فقيرًا رأيت حقيقتك.
ثم سكت لحظة.
وأضفت
وعندما أصبحت غنيًا رأيت حقيقتي أنا.
لم أكن أريد إذلالها.
ولا معاقبتها.
فالحياة كانت قد فعلت ذلك بالفعل.
أما أنا فقد كنت مشغولًا بشيء آخر.
مشغولًا بالدرس الذي تعلمته من رجل ماټ فوق ثروته.
فذلك الرجل قضى عمره كله وهو ېخاف الفقر.
فجمع المال.
وأخفاه.
وحرسه.
وظن أن السعادة تكمن في امتلاكه.
لكن النهاية
كانت قاسېة.
ماټ وحده.
وبقي المال.
أما أنا فقد فهمت متأخرًا أن المال ليس فيما نملكه.
بل فيما نصنعه به.
وأن الثروة الحقيقية ليست عدد الصناديق الممتلئة بالذهب.
بل عدد القلوب التي تستطيع أن تدخل إليها الفرح.
ولهذا كلما مررت بجوار المسجد الذي ساهمت في بنائه.
أو العيادة التي ساعدت المرضى.
أو بيتًا عاد إليه الأمان بعد أن كان آيلًا للسقوط...
كنت أتذكر تلك المغارة.
وأتذكر ذلك الهيكل العظمي.
وأتذكر القطة الصغيرة التي كادت ټغرق.
ثم أبتسم.
لأنني أدركت أخيرًا أن الله لم يرسل لي المال فقط.
بل أرسل لي درسًا لن أنساه ما حييت.
درسًا يقول إن المال إذا بقي حبيس الصناديق ماټ مع صاحبه.
أما إذا خرج إلى الناس عاد خيرًا وبركة وأثرًا يبقى بعد الرحيل.
وهكذا انتهت حكاية الرجل البخيل الذي ماټ وحيدًا فوق ثروته.
وبدأت حكايتي أنا...
يوم أدركت أن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس المال الذي جمعه...
بل الخير الذي نشره.