نشر زوجي
نشر زوجي صورة زوجته الجديدة بعد منتصف الليل وكان واثقًا أنني سأعود إليه باكيةً أترجّاه! لكنه لم يكن يعرف أن تلك الصورة ستكون آخر شيء أراه منه في حياتي.
مرّ شهر كامل منذ غادرتُ بيت الزوجية.
شهر كامل لم أنطق فيه بكلمة واحدة مع عمر، ولم يحاول هو أيضًا أن يتحدث معي.
كنت أظن أن الصمت بيننا مؤقت وأنه سيهدأ، ثم يأتي يومًا ما لنتحدث بعقل.
لكن في الساعة 117 بعد منتصف الليل، قرر عمر أن يجعل زواجه الثاني رسميًا أمام الجميع.
ظهرت الصورة على صفحته.
كان يقف بجوار زوجته الجديدة، وهي تبتسم للكاميرا، بينما كتب تحت الصورة
بداية جديدة وأسأل الله أن يكتب لنا فيها راحة البال.
بدأت التعليقات تنهال.
بعض أصدقائه هنأوه، وبعض أقاربه كتبوا له عبارات مباركة.
ثم كتب أحد أصدقائه
ألا تخشى أن تأتي ليلى وتصنع مشكلة؟
ضحك عمر ورد
ليلى؟ ستغضب يومين أو ثلاثة، وبعدها ستعود.
كتب شخص آخر
لكن هذه المرة الأمر مختلف.
أجاب عمر بثقة
هي تعرفني وستعود عندما تهدأ.
ثم كتب شخص ثالث
ومتى ستتحدث معها؟
فأجاب
عندما تنتهي من عنادها.
كنت أقرأ كل كلمة.
والغريب أنني لم أشعر بالڠضب.
ربما لأنني كنت قد وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها الكلام يؤلمني.
فتحت محادثتنا القديمة.
آخر مرة تركت فيها المنزل، كنت قد اتصلت بعمر أكثر من عشرين مرة.
وأرسلت عشرات الرسائل.
كانت آخر رسالة مني
أنا لا أريد أن نخسر بعضنا فقط أريدك أن تسمعني.
وبعد ساعات طويلة، جاء رده
حسنًا.
كنت وقتها أفسر الكلمة كما أريد.
كنت أقول لنفسي
هو غاضب فقط.
سيهدأ.
ربما لا يعرف كيف يعبر عن مشاعره.
لكنني في تلك الليلة فهمت شيئًا مؤلمًا.
لم يكن عمر ينتظر أن أصلح الأمور.
كان ينتظر أن أعود إليه مهما فعل.
لأنه اعتاد أن أكون أنا الطرف الذي يتنازل دائمًا.
أنا التي تعتذر.
أنا التي تبدأ الحديث.
أنا التي تبحث عن حل.
أما هو فكان واثقًا أنني لن أمتلك الشجاعة لأغلق الباب نهائيًا.
ولهذا
فعلت شيئًا لم أتخيل أنني سأفعله يومًا.
لم أرسل له رسالة.
لم أعلق على الصورة.
لم أتصل.
التقطت لقطة شاشة للصورة والتعليقات.
ثم خرجت من مجموعة عائلته.
وخرجت من مجموعات أصدقائه.
وحذفت رقمه.
وأغلقت حساباتي القديمة.
وفي الساعة الثانية صباحًا
غيّرت رقم هاتفي.
هذه المرة لم أكن أحاول لفت انتباهه.
كنت أحاول أن أستعيد حياتي.
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى عملي.
دخلت مكتب مديري وقلت
أريد تقديم استقالتي.
رفع رأسه بدهشة.
استقالة؟ لماذا؟
سأنتقل إلى مدينة أخرى.
لديكِ سنوات هنا يا ليلى.
ابتسمت بحزن.
أعرف.
وهل الأمر متعلق بزوجك؟
سكتُّ لثوانٍ.
ثم قلت
الأمر متعلق بي أنا.
كانت تلك أول مرة أقول فيها هذه الجملة.
بي أنا.
أنهيت كل الأعمال المطلوبة مني، وسلّمت الملفات، وأغلقت مكتبي.
وعندما عدت إلى بيت أهلي، كانت أمي تنتظرني.
نظرت إلى حقائبي.
ثم سألت
هل ستسافرين فعلًا؟
نعم.
إلى أين؟
لا أعرف.
اقتربت مني وأمسكت يدي.
وماذا عن عمر؟
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
عمر اختار طريقه.
وأنتِ؟
أغلقت حقيبتي.
وأنا اخترت طريقي.
بعد ساعات، كنت داخل حافلة متجهة إلى مدينة تبعد أربع ساعات عن كل شيء أعرفه.
أربع ساعات فقط
لكنها بدت لي كأنها المسافة بين حياتين.
أطفأت هاتفي.
وأسندت رأسي إلى زجاج النافذة.
وللمرة الأولى منذ سبع سنوات
لم أكن أنتظر أن يرن هاتفي.
وصلت المدينة مساءً.
استأجرت شقة صغيرة في مبنى قديم من ستة طوابق.
لم يكن هناك مصعد.
وكانت الشقة في الطابق السادس.
عندما دخلتها للمرة الأولى، وضعت حقائبي في منتصف الغرفة.
نظرت حولي.
لا أثاث.
لا صور.
لا ذكريات.
لا صوت عمر.
ولا شيء يربطني بالماضي.
قلت لنفسي
يمكنني أن أبدأ من هنا.
وفي اليوم التالي، بدأت أشتري الأشياء الضرورية واحدة تلو الأخرى.
سرير صغير.
طاولة.
بعض الأطباق.
ستارة.
وأشياء بسيطة تجعل المكان يبدو كبيت.
وفي المرة الثالثة التي صعدت فيها السلالم، علقت إحدى حقائبي عند المنعطف.
حاولت سحبها.
لم تتحرك.
حاولت مرة أخرى.
وفجأة سمعت صوتًا من خلفي
هل تحتاجين مساعدة؟
التفتُّ.
كان شابًا في بداية الثلاثينيات تقريبًا، يرتدي قميصًا رماديًا ويحمل كيسًا بيده.
قلت بسرعة
لا، شكرًا.
ابتسم.
واضح جدًا أنك لا تحتاجين مساعدة.
نظرت إليه بضيق.
فضحك.
ثم أمسك الحقيبة ورفعها بسهولة.
أي طابق؟
السادس.
شقة؟
601.
توقف لحظة.
ثم قال
إذن أنتِ الجارة الجديدة.
نعم.
أنا طارق. شقة 602.
أخذ الحقيبة وصعد بها.
وعندما وصل إلى باب شقتي، وضعها أمامي.
قلت
شكرًا.
فقال
العفو.
ثم استدار لينصرف.
لكن قبل أن يذهب، قال
بالمناسبة، لو احتجتِ أي شيء في البناية، اسألي الحارس.
ثم ابتسم وأضاف
وأنا آخر شخص تسألينه.
ضحكت رغماً عني.
كانت ضحكة صغيرة
لكنها كانت أول ضحكة حقيقية منذ فترة طويلة.
مرت ثلاثة أيام.
وفي صباح اليوم الرابع، انقطعت المياه عن المبنى.
نزلت إلى الشارع واشتريت زجاجتين صغيرتين.
وعندما دخلت المبنى، وجدت طارق أمامي يحمل عبوات مياه كبيرة.
نظر إلى الزجاجتين في يدي.
ثم نظر إلى السلم.
وقال
أنتِ ناوية تطلعي دول الستة أدوار؟
قلت
أقدر.
أنا لم أسأل إذا كنتِ تقدرين.
ثم حمل إحدى العبوات وصعد.
ناديت خلفه
طارق!
الټفت.
نعم؟
أنا لم أطلب منك.
ابتسم.
وأنا لم أقل إنك طلبتِ.
وصعد.
وضعت يدي على فمي حتى لا أبتسم.
كان شخصًا غريبًا.
لكنه كان مختلفًا عن كل الأشخاص الذين عرفتهم في السنوات الماضية.
لم يكن يحاول أن يثبت أنه أقوى مني.
لم يكن يسخر عندما أرفض المساعدة.
ولم يكن يعتبر عنادي إهانة.
كان فقط
يساعد.
في ذلك المساء، بينما كنت أرتب بعض الأغراض، رن هاتف أمي.
نظرت إلى الشاشة.
كان اتصالًا من زميلتي القديمة في العمل.
أجبت.
قالت بصوت متردد
ليلى؟
نعم؟
عمر جاء إلى الشركة اليوم.
توقفت يدي.
ماذا كان يريد؟
كان يسأل عنك.
صمتُّ.
تابعت
سأل لماذا استقلتِ فجأة.
وماذا قلتِ له؟
قلت له إنك لم تخبرينا إلى أين ستذهبين.
تنفست ببطء.
ثم سألت
وهل صدق؟
لا أعرف.
سكتت لحظة، ثم قالت
لكنه كان غاضبًا جدًا.
لماذا؟
لأنه اكتشف أنك لم تتركي أي عنوان.
لم أجب.
ثم قالت
ليلى هناك شيء آخر.
ماذا؟
خفضت صوتها
عمر لم يكن غاضبًا لأنك اختفيت فقط.
تجمدت.
ماذا تقصدين؟
سألني سؤالًا غريبًا جدًا.
ما هو؟
قالت
سألني إن كنتِ قد اكتشفتِ شيئًا قبل أن تغادري.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
اكتشفت ماذا؟
لم أعرف ماذا يقصد.
ثم صمتت.
وبعد ثوانٍ قالت
لكن عندما قلت له إنني لا أعرف، تغيّر وجهه تمامًا.
أغلقت عيني.
طوال سبع سنوات كنت أظن أن مشكلتي مع عمر كانت مجرد خلافات زوجية.
اختلافات.
عناد.
سوء تفاهم.
اختيارات خاطئة.
لكن لماذا كان يسأل الآن
إن كنت قد اكتشفت شيئًا؟
وضعت الهاتف على الطاولة.
ذهبت إلى النافذة.
وفي المبنى المقابل، كان طارق يصلح مصباحًا في شرفته.
رفع رأسه بالصدفة ورآني.
ابتسم ولوّح بيده.
ابتسمت له.
لكن ابتسامتي اختفت سريعًا.
لأنني تذكرت شيئًا لم أفكر فيه منذ سنوات.
قبل أن أغادر بيت عمر بأسبوع
كنت قد وجدت مفتاحًا قديمًا داخل درج مكتبه.
ولم أعرف وقتها لأي شيء يعود.
كنت قد سألته عنه.
نظر إليّ عمر وقتها بطريقة غريبة جدًا.
ثم قال
لا تفتحي أي باب لا يخصك يا ليلى.
وقتها ظننت أنه يقصد خصوصياته.
لكن الآن
بعد سؤاله الغريب لزميلتي
بدأت أشعر أن المفتاح لم يكن عاديًا.
وأن عمر كان يخفي شيئًا عني.
شيئًا لا علاقة له بزواجه الثاني.
شيئًا أقدم بكثير.
وفي تلك اللحظة، وصلني إشعار على هاتفي الجديد من رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
وكانت عبارة واحدة فقط
لو كنتِ ما زلتِ تحتفظين بالمفتاح فلا تثقي في أي شخص يحاول مساعدتك.
رفعت عيني عن الشاشة.
ولأول مرة منذ وصولي إلى المدينة
شعرت بالخۏف.
لأنني لم أخبر أي شخص
أن المفتاح ما زال معي نكمّل من لحظة الرسالة، ونخلي السر يكبر تدريجيًا من غير خېانة أو علاقة غير شرعية، ومن غير نهاية.
ظللت أحدّق في الرسالة لثوانٍ طويلة.
لو كنتِ ما زلتِ تحتفظين بالمفتاح فلا تثقي في أي شخص يحاول مساعدتك.
شعرت ببرودة في أطراف أصابعي.
وضعت الهاتف على الطاولة.
ثم نظرت نحو باب الشقة.
كان مغلقًا.
ذهبت إليه وتأكدت من القفل مرة أخرى.
ثم عدت وجلست.
أخرجت المفتاح من حقيبتي.
كان صغيرًا، قديمًا، بلون معدني باهت، وفي رأسه علامة غريبة تشبه الرقم 17.
ظللت أقلبه بين أصابعي.
منذ سبع سنوات وأنا أحتفظ به دون أن أعرف أين يُستخدم.
وعمر كان يعرف.
هذه هي الحقيقة الوحيدة التي أصبحت متأكدة منها.
لكن من أرسل الرسالة؟
وكيف عرف أن المفتاح معي؟
في