صغيرتي مايا خالد

موقع أيام نيوز

الواسعة التي حُرمت حتى من السير فيها.
أما قاسم...
فمنذ آخر مواجهة بينهما، لم يدخل جناحها مرةً واحدة.
اختفى عن عينيها تمامًا.
حتى إنها بدأت تظن أنه تخلى عن محاولاته لإجبارها على شيء.
لكنها لم تكن تعلم أن عينيه لم تغادراها لحظة.
كان يتابعها بصمت عبر كاميرات المراقبة المنتشرة في الممرات والحديقة، يطمئن عليها من بعيد، دون أن يمنحها فرصةً لتراه أو تواجهه.
في ذلك الصباح، دوَّت طرقاتٌ خفيفة على الباب.
سمحت بالدخول دون أن تلتفت.
دخلت الخادمة تحمل علبةً أنيقة مغلفة بشريطٍ من الساتان الأسود، وفي يدها الأخرى ظرفٌ أبيض يحمل ختم الجامعة.
توقفت ليان عن النظر إلى النافذة، وعقدت حاجبيها باستغراب.
إيه ده؟
ابتسمت الخادمة ابتسامةً خجولة وقالت
الباشا بعتهم لحضرتك.
وضعت العلبة والظرف فوق الطاولة، ثم انصرفت بهدوء، تاركةً ليان وحدها مع ذلك الغموض الذي بدأ يثير قلقها أكثر من فضولها.
وقفت ليان أمام الطاولة لثوانٍ، تتأمل الظرف والعلبة وكأنهما يحملان مصيرًا لا تعرفه.
مدت يدها أولًا نحو الظرف، وفتحته ببطء.
أخرجت الأوراق، فتجمدت ملامحها.
كان جدول محاضراتها كاملًا، مرفقًا بخطة للدراسة من داخل القصر، تحمل ختم الكلية وتوقيعًا رسميًا يؤكد اعتمادها.
ازدادت حيرتها وهي تقلب الأوراق، حتى سقطت منها ورقة صغيرة مطوية.
التقطتها بسرعة.
لم تحتج أن تقرأ الاسم لتعرف صاحب الخط.
كان خط قاسم الحاد.
فتحتها، وقرأت
الجامعة مش هتضيع منك... ودراستك هتكمل. أما خروجك من القصر، فله وقته. ولما ييجي اليوم اللي أقدر أرجعك فيه بأمان... هترجعي.
اشټعل الڠضب في عينيها.
ضحكت بمرارة، ثم قبضت على الورقة بقوة حتى تجعدت بين أصابعها.
حتى مستقبلي... بقيت أنت اللي بتقرر مصيره!
مزقت الورقة إلى نصفين، وألقتها على الأرض دون تردد.
ثم التفتت نحو العلبة.
نزعت الشريط الأسود بعصبية، ورفعت الغطاء.
وفي اللحظة التالية...
اتسعت عيناها پصدمة.
سقطت من يدها أجندة جلدية بنية اللون.
شهقت دون إرادة.
مستحيل...
التقطتها بسرعة، وأخذت تمرر أصابعها فوق غلافها، وكأنها تتحقق أنها ليست تتوهم.
كانت أجندتها...
أجندة مذكراتها التي اختفت يوم زواجها.
فتحتها بيدين مرتعشتين.
وجدت صفحات تعرفها عن ظهر قلب... كلمات كتبتها وهي تحلم بمستقبلها، وأخرى كانت تفضفض فيها لوالدتها الراحلة، رغم أنها لم تعد موجودة لتقرأ حرفًا منها.
لكنها توقفت فجأة.
بعض الصفحات كانت ممزقة.
وأخرى اختفت تمامًا.
قطبت حاجبيها وهي تقلب الصفحات بسرعة، حتى استقرت يدها عند صفحة كُتب أسفلها بخط لم يكن خطها.
خط والدها.
تجمدت أنفاسها وهي تقرأ
لو وصلتي للصفحة دي يا ليان... يبقى في حاجات كتير حصلت من غير ما أقدر أشرحهالك.
ارتعشت أصابعها، وأكملت القراءة بلهفة.
قاسم مش هو الۏحش اللي في خيالك... قاسم هو الحماية الوحيدة اللي فضلت ليكي.
شحب وجهها.
وتراجعت خطوة إلى الخلف.
همست بصوت خرج بالكاد
حماية... من إيه؟
دارت الغرفة من حولها، واختلطت الأسئلة في رأسها.
من الذي كان والدها يقصده؟
ولماذا كتب تلك الكلمات؟
وماذا كان يخفي عنها طوال هذه السنوات؟
وفي اللحظة نفسها...
انفتح باب الجناح ببطء.
دخل قاسم بخطوات هادئة، مرتديًا قميصًا أسود، وعلى وجهه ذلك الهدوء الذي يخفي خلفه إرهاقًا لا يراه أحد.
رفعت ليان الأجندة في وجهه، وعيناها تمتلئان بالخۏف والارتباك.
إيه ده يا قاسم؟!... بابا كان يقصد إيه بالكلام ده؟!
يتبع
الفصل الثالث بقلم ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. 
رفع قاسم عينيه إلى الأجندة، ثم تنهد ببطء، وكأنه كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي يومًا.
اقترب منها بخطوات ثابتة.
أما هي فتراجعت خطوة للخلف، واحتضنت الأجندة إلى صدرها وكأنها تخشى أن ينتزعها منها.
هتفت بصوت مرتجف
رد عليّ... بابا كان يقصد إيه؟ حماية من مين؟ وإيه اللي كان مخبيه عني؟
ظل ينظر إليها طويلًا، قبل أن يقول بهدوء
أبوكي أخفى عنك حاجات كتير... لأنه كان فاكر إنه بيحميكي.
هزت رأسها پعنف.
لأ... أنت كذاب... أنت اللي أجبرته يسلمني ليك.
ارتسمت على وجه

قاسم ابتسامة
تم نسخ الرابط