ورث جدي حكايات زهرة
المحتويات
وطلقت نور، هيتشمتوا فيا وفيها ويثبتوا لنفسهم وللناس إن كل حاجة في الدنيا بتتباع وتتشرى بالفلوس.
عمي الكبير قرب مني تاني، وحط إيده على كتفي بحنية مزيفة تقرف، وقال نغمة إبليس
يا أحمد يا ابني.. العقل يقول إن الفرصة دي مش بتيجي غير مرة واحدة في العمر. أنت شفت الفقر وعرفته، وشفت العيشة الناشفة. طلّق، وربنا يعوضها ويعوضك، والفلوس دي ه تؤمن بنتك طول عمرها. الستات يروحوا وييجوا يا ابني، لكن الملايين لو راحت مش هترجع!
أمي كانت واقفة في الناحية التانية، عينيها فيها نظرة طمع وأمل إن ابنها يبطل غباوة ويرجع لبيت عزهم، قالت بصوت واطي بس مسموع
اسمع كلام عمك يا أحمد.. كفاية طيش، الخمس سنين دول كانوا درس ليك، انشف بقى واعرف مصلحتك!
في اللحظة دي.. دماغي كانت شغال زي المفرمة. 20 مليون جنيه! 20 مليون يعني هطلع من الشقة الإيجار اللي حيطانها مقشرة، مش هشيل هم مصاريف مدرسة فريدة، مش هقف في الطابور ولا أحسب القرش بالقرش، مش هشوف نظرة الكسرة في عين مراتي وهي بتطبخ اللي موجود في البيت وبتقول الحمد لله بابتسامة وهي جعانة.
لكن.. في نفس اللحظة، عدت قدام عيني شريط الخمس سنين.
افتكرت يوم ما خرجت من البيت ده وأنا ماليش غير هدومي اللي عليا، ونور مسكت إيدي وقالتلي أنا معاك في العشة قبل القصر.
افتكرت لما كنت بمرض، وكانت بتفضل صاحية طول الليل حاطة كمادات على راسي وپتبكي وبتدعيلي.
افتكرت لما كانت بتداري هدومها القديمة علشان ما تحسسنيش بالتقصير، ولما كانت بتجمع القرش على القرش علشان تشتريلي طقم جديد أروح بيه المقابلة.
افتكرت العيش والجبنة اللي كنا بناكلهم وإحنا بنضحك من قلبنا، واللفتة البسيطة اللي كانت بتعملها عشان تخليني أحس إني ملك.
هو أنا بجد ممكن أبيع كل ده؟ عشان شوية ورق؟
عشان فلوس راجل فضّل يكسرني وهو حي، وجاي يذلني وهو مېت تحت التراب؟
جدي.. جدي اللي كان فاكر إن فلوسه تقدر تشتري النفوس، وكان عايز يكسر كبريائي في مۏته زي ما فشل يكسره في حياته.
المحامي هز الورقة بقلة صبر وقال
أستاذ أحمد.. وقت الجلسة بيخلص، لازم تديني قرارك دلوقت عشان أثبت الطلاق في المحضر أو أعلن بطلان البند وتحويل المبلغ للتركة العامة.
الكل سكت.. كأن النبض وقف في الصالة.
نور غمضت عينيها واستسلمت للدموع، كأنها بتستعد للصدمة.
أنا أخدت نفس عميق.. عميق أوي، حسيت بيه بيدخل جوه صدري بېحرق كل التردد والخۏف. بصيت لعمي، وبعدين بصيت لأمي، وأخيراً بصيت للمحامي.
ابتسمت.. ابتسامة صدمت الكل. ابتسامة هادية، مفيهاش أي توتر.
ربعت إيدي وقلت بصوت عالي وثابت هز جدران البيت الكبير
يا سيادة المحامي.. اكتب عندك في المحضر.
عمي ابتسم ابتسامة النصر، وعمي التاني فرك إيده ببعضها، ونور جسمها اتنفض..
كملت كلامي بصوت أشد وأقوى
اكتب عندك.. إن أحمد فتحي، بيعلن تنازله الكامل وغير المشروط عن ال 20 مليون جنيه! واكتب إن قرش واحد من فلوس راجل شرطه الوحيد علشان يورثني إنه ېخرب بيتي ويذل مراتي اللي صانتني.. الفلوس دي ما تلزمنيش، ولا تدخل بيتي، ولا تصرف على بنتي!
الصالة شهقت!
عمي لسانه اتعقد، وأمي صړخت أنت اټجننت يا أحمد؟! 20 مليون يا غبي?!
أعمامي الباقيين عينيهم طلعت لبرة، الذهول أكل وشوشهم. ما حدش كان متوقع إن حد في الدنيا ممكن يرمي 20 مليون جنيه تحت رجله عشان ست!
ما استنيتش حد يتكلم.. مشيت بخطوات ثابته، قربت من نور، مسكت إيدها اللي كانت بتترعش، ورفعتها قدام الكل وبستها. بصيت في عينيها وقلت
لها بصوت دافي
أنا بعت الدنيا كلها علشانك
متابعة القراءة