ربيت اخويا الصغير
ذكريات الطفولة في ثانية واحدة، لكن الصدمة كانت عندما نظرت إلى محتويات العلبة؛ لم يكن هناك أي مجوهرات أو ذهب أو أساور، بل كانت العلبة تحتوي على مجموعة من الأوراق الرسمية القديمة المصفرة، وشهادة ميلاد، ورسالة مطوية بعناية مكتوبة بخط يد أمي الواضح والجميل، وكان عنوان الرسالة المكتوب من الخارج باللون الأحمر يتكون من كلمتين فقط إلى ولدي مروان.
سحبت الرسالة المطوية ببطء شديد، وكأنني أسحب خيطًا رفيعًا يربطني بالماضي، وفردت الورقة بامتنان وخوف، وبدأت أقرأ كلمات أمي التي كتبت بدموعها، حيث كانت هناك بقع جافة على الورق غيرت لون الحبر في بعض المواضع، وكانت السطور تقول ابني الحبيب والغالي مروان.. إذا كنت تقرأ هذه السطور الآن، فهذا يعني أنني لم أعد موجودة في هذا العالم، وأن أخي الصغير إياد قد نفذ وصيتي وسلمك الأمانة بعد أن أصبح رجلاً. يا مروان، أكتب لك هذه الرسالة وأنا أشعر بالخۏف والذنب الذي نهش روحي وجسدي على مدار السنين الماضية، وأعلم أن ما سأقوله لك سيكون صدمة عمرك، لكنها الحقيقة التي يجب أن تعرفها والتي خبأتها عنك لحمايتك ولحماية عائلتنا من الدمار. مروان.. أنت لست ابني البيولوجي، وأنا لست أمك التي ولدتك، والرجل الذي رباك وعشته معه طوال حياتك ليس أبوك الحقيقي. توقفت عن القراءة فجأة، وشعرت برأس يدوخ، والكلمات بدأت تتراقص أمام عيني وتفقد معناها، نظرت إلى إياد الذي كان يتابعني بنظرات مليئة بالأسى والدموع تنهمر على وجنتيه، وهززت رأسي رافضًا ومستنكرًا وصحت فيه ده كدب! ده مستحيل! أنا فاكر كل لحظة في حياتي مع بابا وماما، أنا شبه بابا في ملامحه، وصوت أمي لسه في ودني.. إزاي تقول كدة؟ إزاي الورقة دي تقول كدة؟!. أشار لي إياد بيده باكيًا وقال بصوت متحشرج اقرأ للآخر يا مروان.. أرجوك اقرأ للآخر عشان تفهم الحكاية كاملة زي ما أنا فهمتها وعشت بيها.
عدت للورقة وعيني تغيم بالدموع، وتابعت القراءة وجسدي كله يرتعش كعصفور في مهب الريح أعلم يا بني أنك لن تصدق، لكن استمع إليّ. منذ ستة وعشرين عامًا، كنت أنا ووالدك نعيش في شقة صغيرة في بداية زواجنا، وكنت قد فقدت الأمل في الإنجاب بعد عمليات جراحية فاشلة كثيرة. وفي ليلة شتوية شديدة البرودة، تبلغت الشرطة عن حاډثة مأساوية في البناية المجاورة لنا؛ حيث عثروا على امرأة شابة غريبة عن المنطقة، ماټت وحيدة في شقتها المستأجرة إثر مرض مفاجئ، وكانت قد وضعت طفلاً رضيعاً قبل أيام قليلة وتركت بجانبه ورقة صغيرة مكتوب فيها اسم الطفل مروان وشهادة ميلاده وبضع كلمات تستجير بمن يجدك ليربيك. والدك، الذي كان يعمل وقتها محامياً شاباً ولديها معارف في القسم، علم بالقصة، وحين ذهبنا ورأيناك، وقع حبك في قلوبنا من اللحظة الأولى. وبدلاً من إرسالك للملجأ، قام والدك باستخدام نفوذه وعلاقاته، وقام بتزوير أوراق رسمية وشهادة ميلاد جديدة بالاستعانة بطبيب صديق لنا، ليثبت أنك ولدت في المنزل على يدي داية، وسجلناك باسمنا وعشت معنا كابننا البكر الشرعي والوحيد، وأغدقنا عليك من الحب والحنان ما لم يحظ به طفل في العالم، حتى أنساني حبك عقري وجعلني أشعر أنني أمك الحقيقية فعلاً. هنا توقفت الأنفاس في صدري، وامتدت يدي إلى قاع العلبة لترفع الأوراق الرسمية الأخرى، فوجدت شهادة ميلادي الحقيقية الأولى، وكان اسم الأم فيها مختلفًا تمامًا، واسم الأب فارغًا، وبجانبها أوراق تحقيق قديمة تثبت الواقعة وتفاصيلها التي دُفنت
تحت التراب منذ عقود.
تابعت