ربيت اخويا الصغير
المحتويات
طرد بريدي يبحثون عن عنوان لإرساله إليه، وكنت أعلم علم اليقين أنه إذا وافقت على ذهاب إياد مع أي منهم، فإن حياتنا ستتشتت تمامًا، وسأحرم من رؤيته إلا في المناسبات، وسينمو في بيئة لا تشبه بيئتنا، ويفقد هويته وذكرياته مع والدينا. نظرت إلى إياد الذي كان يجلس في زاوية الغرفة محتضنًا ركبتيه بوعي طفل مړعوپ يفهم أن مصيره يقرر الآن دون إرادته، ورأيت الخۏف يلمع في عينيه الصغيرتين كأنه يستجير بي، في تلك اللحظة تذكرت آخر الكلمات التي قالها لي أبي قبل سفره بأيام أخوك أمانة في رقبتك يا مروان، فنهضت واقفًا وسط الجمع، وضبت صوتي بكل ما أوتيت من قوة وحسم، وقلت لهم بنبرة لا تقبل الجدال أو النقاش إياد مش هيتحرك من هنا، ومحدش منكم هيشيل همه.. أنا اللي هربيه، وأنا اللي هكون المسؤول عنه وعن كل تفاصيل حياته. حاول بعض الأعمام الاعتراض بحجة أنني ما زلت شابًا في مقتبل العمر، وأن تربية طفل في العاشرة من عمره ستعوق طموحي المهني ومستقبلي الشخصي وفرصي في الزواج، لكنني صددت كل هذه الحجج بجدار صلب من الإصرار، ولم يمض سوى أسبوعين حتى أنهيت كل الإجراءات القانونية المعقدة في المحاكم، وصدر لي حكم رسمي ونهائي بأنني الوصي القانوني والشرعي على أخي الصغير إياد، لأصبح فجأة، وأنا في السادسة والعشرين من عمري، أبًا وأمًا وأخًا في آن واحد.
بدأت الفصول الأولى من حياتنا الجديدة، وكانت الشهور القليلة الأولى من أصعب وأقسى أيام حياتي على الإطلاق، حيث تجمعت عليّ كل الضغوط النفسية والمادية في وقت واحد. كنت ما زلت أعيش تحت وطأة صدمة فقدان بابا وماما، وأبكي سراً في المطبخ حتى لا ييراني إياد،
وفي نفس الوقت كان عليّ أن أتعلم بسرعة فائقة كيف أدير شؤون منزل كامل وكيف أربي طفلاً يمر بمرحلة عمرية حرجة ويحتاج إلى رعاية نفسية خاصة بعد الصدمة التي تعرض لها. أصبحت حياتي عبارة عن طاحونة لا تتوقف عن الدوران؛ أستيقظ في الخامسة صباحًا لإعداد الإفطار وجهيز ملابس إياد المدرسية، ثم آخذه بيدي إلى مدرسته، وأنطلق مسرعًا إلى عملي في الشركة حيث كنت أبذل أقصى جهدي حتى لا يلاحظ مديري أي تقصير قد ېهدد مصدري الوحيد للدخل. الفلوس كانت بالعافية وبحسابات دقيقة جدًا، فمرتبي الذي كان يكفيني ويزيد حين كنت أعزب، أصبح الآن يذهب بالكامل لدفع إيجار الشقة، ومصاريف مدرسة إياد، ودروسه الخصوصية، وفواتير العلاج النفسي التي اضطررت للاستعانة بها لمساعدته على تجاوز صدمة الحاډث وبكائه الليلي المفاجئ. كنت أشتغل ساعات إضافية طويلة، وأحياناً كنت آخذ مشاريع برمجية حرة لأنجزها ليلاً في المنزل بعد أن ينام إياد، وفي ليالي كثيرة جداً، حين كان السكون يخيم على الشقة، كنت أجلس على الأرض بجانب سريره، أتأمل وجهه البريء الملائكي، وتتساقط دموعي بغزارة من شدة التعب والإرهاق الخۏف الدائم القابع في صدري من أنني قد لا أكون أعمل ما يكفي لعشانه، أو أنني قد أفشل في تعويضه عن حنان أمنا ورعاية أبونا، لكن في كل مرة كان يبتسم فيها إياد وهو نائم أو يركض نحوي معانقاً إياي عند عودتي من العمل قائلاً أنا بحبك يا مروان، كنت أشعر بقوة غريبة تسري في جسدي، وتنسيني كل التعب، وتدفعني للمواصلة دون كلل أو ملل.
مرت السنوات الثماني بسرعة مذهلة وكأنها طيف عابر في خيال، وتوالت الفصول وتغيرت الأحوال، وقدرنا بفضل الله وصبرنا أن نكمل الطريق
معًا يداً
متابعة القراءة