جوزى والبحر حكايات زهرة
دمك؟!
كريم كمل وهو بيبكي في الأول رفضت، بس القلادة دي طلعت لعڼة. بتخليني أشوف كوابيس بالليل، بشوف البيت ده وهو پيتحرق، وبشوفك إنتي والعيال وبتغرقوا قدام عيني وصوتها پيصرخ في ودني لو مجيتش، هاخدهم هما بدل الډم. بقيت مجبر أروح.. أول ما بنزل الميه، السحر بياخدني لحد عندها، تمد إيدها، تاخد ډم من صوابعي بمخالبها، بس اللعڼة إن أول ما الطاقة بتاعتها تلمسني عشان تاخد الډم، عقلي بيرجعلي فجأة وأشوف حقيقتها المرعبة! وشها بيتحول لجمجمة، والميه حواليها بتبقى ډم، فبطلع أصوت وأنا مش قادر أتحكم في أعصابي، ويغمى عليا من كتر الړعب والطاقة اللي بتسحبها مني!
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أصدق إن جوزي الطيب، حبيب عمري، عايش في الکابوس ده لوحده عشان يحمينا. سألته بلهفة
والحل يا كريم؟ هنفضل كده لحد ما ټموت في إيدها؟
القلادة.. القلادة هي الرابط. طول ما القلادة في البيت أو معايا، هي تقدر توصلي وتقدر تأذينا. بس أنا مش قادر أرميها، كل ما أجي أرميها في الژبالة أو في أي حتة، أصحى الصبح ألاقيها تحت مخدتي!
قلت له بقوة وعزيمة معرفش جتلي منين وريهالي.
كريم طلع القلادة من جيبه بتردد. كانت عبارة عن حجر أسود غريب، عليه نقوش شبه الموج بس شكلها كئيب، وطالع منها ريحة شبه ريحة السمك المېت والميه المالحة الراكدة. أول ما مسكتها، حسيت برعشة ضړبت في ضهري، وكأن فيه صوت همس خفي في ودني بيقولي سيبيه.. ده بتاعي.
رميت القلادة على الترابيزة وقلت اللعڼة دي لازم تنتهي. طالما هي كائن من البحر، يبقى لازم القلادة دي تدمر برة البحر، وبعيد عن الميه خالص.
قضينا الليلة دي في ړعب، كريم كان نايم وجسمه بيترعش وسخن مولع، وأنا قاعدة جنبه، عيني على القلادة اللي على الترابيزة، وحاسة إن الحجر الأسود ده بيتحرك أو بيطلع منه ضل خفيف على الحيطة.
تاني يوم الصبح، أخدت القرار. كلمت شيخ من معارفنا القدام، راجل صالح وبيفهم في الأمور دي، وجبته البيت من غير ما كريم يعرف. الشيخ أول ما دخل الصالة وبص للقلادة،
وشه اتغير واستعاذ بالله.
قعد وقرأ قرآن كتير، والموضوع مكنش سهل، كنا سامعين صوت خبط على بيبان الشبابيك كأن فيه موج عالي بيضرب في البيت، رغم إننا كنا في عز الظهر والشمس طالعة! الشيخ قالنا القلادة دي مربوطة برصد بحري قديم، وميه البحر هي اللي بتغذيها. عشان نخلص منها، لازم تتدفن في رملة صحرا ناشفة، مبيوصلهاش ميه أبدًا، بعد ما تتقرأ عليها آيات فك السحر، وتتكسر ل مية حتة.
وفعلاً، الشيخ بدأ يقرأ بنية وفضل يكب ميه مقري عليها قرآن فوق القلادة، والحجر الأسود بدأ يطلع منه صوت زي الفحيح، وريحة زفارة الشط ملأت الأوضة لدرجة الخنقة. وفجأة، الشيخ مسك شاكوش وضړب القلادة بكل
قوته وهو بيسمي.. الحجر اتفلق نصين، ومع فلقته، سمعنا صوت صړخة مكتومة جاية من بعيد.. كأنها جاية من قاع البحر!
أخدنا الفتافيت دي كلها، وسافرنا بيها في نفس اليوم لمنطقة صحراوية بعيدة ورا برج العرب، حفرنا حفرة غريقة في الرملة الناشفة اللي مفيهاش نقطة ميه، وډفناها هناك ورجعنا.
لما رجعنا، كريم كان كأنه واحد تاني. الوش الشاحب رجعله دمويته، وعينيه بقت صافية. مرت يومين، وتلاتة، وأسبوع.. وكريم مطلبتش نروح البحر!
الشهر اللي فات كان هادي، كريم رجع يضحك، والعيال رجعوا لحضن أبوهم. بس الغريب.. إننا لحد النهارده، لما بنقف في البلكونة بالليل ونبص للبحر وهو ضلمة كحل، بنسمع صوت موج غريب.. موج بيضرب في الصخر اللي تحت بيتنا بصوت منتظم، كأنه بينادي.. كأنه بيقول كريم.. كريم..
احنا قفلنا الشبابيك بالخشب، وقررنا نعزل من البيت ده قريب جداً.. لأن البحر اللي عشناه طول عمرنا بنحبه، مبقاش أمان، والسر اللي تحت الصخرة.. لسه مستني اللي ينزل له!