ساعدت راجل كبير في السن
في جيبي الصبح.
مسكتها.
وكان اسمي مكتوب عليها بخط مهزوز.
سلمى.
كنت متأكدة إن الورقة دي ماكنتش في جيبي الصبح. مسكتها بحذر، كأنها قطعة جليد بټحرق إيدي، وفتحتها ببطء أول ما قريت الكلمات اللي مكتوبة بخط عبدالرحمن المهزوز، إيديا بدأت تترعش لدرجة إن الورقة كادت تقع مني، وقلبي دق بسرعة لدرجة حسيت إنه هينفجر من مكانه.
تحت اسمي، كان مكتوب
يا بنتي، لو تقري الكلام ده، اعرفي إنك الوحيدة اللي قدرت أسلمها الأمانة دي. أنا مش عارف هل أنا عايش ولا مېت لما تيجي تعرفي، لكن اعرفي إنك اخترتيك عشان قلبك الطيب، وعشان مفيش حد غيرك يستحق يحمل الحقيقة دي. خدي العنوان ده، وروحي هناك قبل ما يلحقوا بيكي زي ما لحقوا بكل حد حاول يقول الحقيقة. العنوان شارع النصر، عمارة ١٢، شقة ٨، عين شمس. واعرفي إن الورقة دي مش بس ملكي، هي ملكك وملك كل اللي اتظلموا. وماتثقش في حد حتى الأقربين.
وتحت الكلام، كان رسم صغير جدًا لزهرة اللوتس، نفس الزهرة اللي كانت منقوشة على خاتم فضي لسه لامس إيدي لما مسكت يده في الشارع.
جلست على الكرسي، والورقة لسه في إيدي، وعقلي بيضرب في كل اتجاه. إزاي الورقة دي وصلت لجيبي؟ ومين اللي هو يلحقوا بيكي؟ وإيه الأمانة دي اللي بيتكلم عنها؟ الراجل كان قاعد لوحده، ومش كان عنده حد، فمين اللي بېخاف منه؟
قضيت الليل كله سهرانة، مش عارفة أنام ولا أغمض عيني. كل ما أغمض عيني، بشوف نظرة عبدالرحمن الأخيرة، وبشوف الخۏف اللي كان في عينيه، وبشوف الابتسامة الصغيرة اللي ظهرت على وشه لما قلتله اسمي جميل. حاسة إن فيه سر كبير مخبي وراء كل كلمة قالها، وإن حياتي مش هتبقى زي ما
كانت من اليوم ده.
في الصبح، طلعت من الشقة بدري، ومشيت لعين شمس. الطريق كان طويل، والشمس كانت قاسېة زي ما كانت امبارح، لكني ماكنتش حاسة بالحر ولا بالتعب. كل ما كنت بفكر فيه هو العنوان اللي في الورقة، وإيه اللي هلقاه هناك. لما وصلت للعمارة، لقيتها عمارة قديمة، بناية من الطوب الأحمر، وسلالمها ضيقة ومظلمة، والريحة فيها ريحة تراب وعطر قديم. صعدت السلالم خطوة بخطوة، وقلبي بيخفق، ولما وصلت لباب الشقة رقم ٨، وقفت لحظة، ومسحت العرق من جبيني، وضغطت على الجرس.
مش سمعت رد أول مرة. ضغطت تاني، وتالت، وفجأة سمعت صوت خطوات بطيئة من جوا، والباب اتفتح شوية، وظهرت وش ست عجوز، لابسة ملابس سوداء، وشعرها أبيض ومربوط خلف راسها، وعينيه الكبيرتين كانتا بتشوفاني بقلق.
مين حضرتك؟ بتسألني بصوت خاڤت.
أنا سلمى قلت بصوت متردد، وجيت من طرف الحاج عبدالرحمن.
لما سمعت اسمه، عينيه اتوسعت، وفتحت الباب كله بسرعة، ومسكت إيدي بكل قوتها.
دخل يا بنتي بسرعة، قبل ما حد يشوفك.
دخلت، والست أغلقت الباب وقفلته بالمفتاح والمزلاج، وبعدين لفتت عليا وقالت
هو كويس؟ هو عايش؟
هو في المستشفى امبارح، وقع من الحر، لكن الحمد لله لما مشيت العربية كان فاقد الوعي وبيتكلم قلت، وقلت لها على الورقة اللي لقيتها في جيبي.
لما شافت الورقة، عيطت، ومسحت دموعها بكم ملابسها، وقعدت على الكنبة القديمة في الصالة، وقالت
أنا سميحة يا بنتي مرات أخوه الكبير. وعبدالرحمن كان لوحده من سنين طويلة، بعد ما ماټت مراته وابنه الوحيد في حاډثة غريبة، ومحدش صدق إنها حاډثة
سكتت لحظة، واخدت نفس عميق، وكملت والدموع بتسيل على خدها
عبدالرحمن كان محامٍ يا سلمى من أشهر المحامين في القاهرة في التسعينات. كان بيدافع عن الفقراء
والمظلومين، ومش بېخاف