خصلات الذهب والسر المجهول

موقع أيام نيوز

نقلي أنا ونور بسيارة الشرطة إلى منزلي لتأميننا وضمان عدم وجود أي ټهديد متبقٍ.
مرت الأيام بعد تلك الحاډثة المرعبة، وظننت أننا سنعود إلى فقرنا وصراعنا مع المړض، ولكن عدالة السماء كانت واسعة؛ فبعد أسبوعين، تلقيت اتصالاً من وزارة الثقافة والجهات المسؤولة، يعلنون فيه منحنا مكافأة مالية ضخمة نظير أمانة نور ومساعدتنا في استعادة الأثر المفقود. كانت تلك المكافأة كافية لتغطية كامل تكاليف علاجي في أفضل المستشفيات المتخصصة، بل وتأمين مستقبل ابنتي بالكامل. خضعت للعلاج والرعاية الطبية اللازمة، وبدأت أتماثل للشفاء بفضل الله ثم بفضل خصلات شعر ابنتي التي، وإن قُصت وغادرت رأسها، فقد حفرت لنا طريقاً جديداً للحياة والنجاة.
لم تكن تلك المكافأة المالية ونهاية التحقيقات الرسمية سوى الستار الذي أُسدل على الفصل الأول من حكايتنا، فما تلا ذلك من أحداث كان بمثابة حياة جديدة كُتبت لنا من رحم المعاناة والخۏف. بعد أن استلمنا قيمة المكافأة، تبدلت أولوياتنا تمامًا؛ لم يعد الهم الشاغل هو كيف سنؤمن ثمن الجرعة القادمة من الكيماوي، أو كيف سأدفع إيجار الشقة الصغيرة في نهاية الشهر. نقلتني نور فورًا إلى مستشفى تخصصي متقدم، حيث حظيت برعاية طبية على أعلى مستوى، وبدأ الأطباء بروتوكولاً علاجياً مكثفاً يناسب حالتي التي كانت قد تدهورت بسبب الإهمال وضغط العمل.
خلال تلك الفترة، كانت نور بمثابة ملاكي الحارس. كبرت ابنتي في غضون أسابيع قليلة لتصبح امرأة مسؤولة تدير شؤون المنزل والمستشفى، تنسق مع الأطباء، وتتابع مواعيد الأدوية بدقة متناهية. كانت تأتي إلى غرفتي في المستشفى محملة بكتبها الدراسية، تجلس بجانب فراشي تدرس وتستذكر دروسها، وكلما فتحت عيني ووجدتها أمامي برأسها الذي بدأ شعرها ينبت فيه مجدداً كخيوط من الحرير القصير، كان قلبي يمتلئ بيقين مطلق بأنني سأهزم هذا المړض، ليس من أجلي، بل من أجل هذه الطفلة التي ضحت بكل شيء من أجلي.
بعد مرور ستة أشهر من العلاج المستمر والعمليات الجراحية، زف إلينا الطبيب المعالج الخبر الذي انتظرناه طويلاً أبشري يا سيدة نجوى، التحاليل والأشعة الأخيرة تثبت أن جسدك خاض معركة شرسة وانتصر فيها.. أنتِ الآن في مرحلة التعافي الكامل Remission، والسړطان تراجع تماماً. انهرت ونور في بكاء مرير، لكنه كان بكاء الفرح والارتياح، فرحة العودة إلى الحياة من حافة القپر.
عندما عدنا إلى بيتنا، قررنا أن نترك خلفنا كل ذكريات الألم. استخدمنا جزءاً من المكافأة لتجديد البيت وتغيير أثاثه القديم الذي شهد على ليالي البكاء والمړض. كما قمت بتقديم استقالتي من المكتبة الصغيرة، وافتتحت بمشاركة نور مشروعاً خاصاً بنا؛ مكتبة ومركزاً ثقافياً صغيراً لتعليم الأطفال الرسم والقراءة في حينا، أطلقنا عليه اسم خصلات الأمل.
أما بالنسبة للباروكة التي بدأت منها كل هذه الفوضى، فقد أعادتها إلينا الشرطة بعد انتهاء المحاكمة وإدانة أفراد العصابة، بعد
أن أزالوا منها بطبيعة الحال الألماسة الزرقاء. لم أرتدِها مجدداً، بل وضعناها في صندوق زجاجي أنيق في صدر صالة منزلنا، لتظل شاهداً حياً على تضحية ابنة أنقذت حياة أمها، وعلى تدبير القدر الذي جعل من خصلات شعر بسيطة سبباً في كشف شبكة تهريب دولية، وتحويل مسار حياتنا من الظلمة إلى النور.
اليوم، وأنا أنظر إلى نور وهي تستعد لدخول مرحلة دراسية جديدة، بشعرها الكثيف الذي عاد ينسدل على كتفيها بطول وجمال يفوق ما كان عليه، أعلم تماماً أن المعجزات لا تحدث فقط في الحكايات الخرافية، بل تصنعها القلوب النقية التي تحب دون شروط، وتضحي دون مقابل.

تم نسخ الرابط