ابني ماټ بقلم صابرين محمد
المحتويات
الظرف لصدري كأنه جزء من ابني رجعلي.
شكرته، ومشيت من غير ما أحس أنا رايحة فين.
...
أول ما دخلت البيت، قفلت الباب، وقعدت قدام صورة ابني.
بصيت للصورة ودموعي نزلت لوحدها.
رجعتلي بحاجة منك بعد خمس سنين...
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه ورقة مطوية أكتر من مرة.
خطه كان هو... نفس الخط اللي كنت براجع بيه واجباته زمان.
فتحتها وبدأت أقرأ.
أمي... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا اتأخرت عليك في حاجة كنت عايز أقولها...
وقفت القراءة لحظة.
الكلمات كانت بتوجعني.
كملت.
عارف إنك هتزعلي لو عرفت، عشان كده كنت مستني أقولك بنفسي...
قلبي انقبض.
إيه الحاجة اللي كان مستخبيها عني؟
كملت بسرعة.
فاكرة الراجل الكبير اللي قابلناه من شهر عند الورشة؟
حاولت أفتكر.
وبالفعل... افتكرت.
قبل الحاډثة بأسابيع، ابني رجع البيت وهو بيحكيلي إنه ساعد راجل عربيته عطلت في الطريق، ووصله لحد بيته.
وقتها افتكرت إنها مجرد موقف وعدى.
لكن الرسالة كانت بتحكي حاجة تانية.
الراجل ده سلمني أمانة، وقالي لو حصله أي حاجة أو لو اتأخر، أوصلها لصاحبتها...
قطبت جبيني.
إيه الأمانة دي؟
وقلبت الورقة.
لقيت اسم مكتوب بخط واضح.
نهى...
شهقت من الصدمة.
نهى؟
بنت خالتي؟
إيه علاقتها بالأمانة؟
وفي نفس اللحظة، رن تليفوني.
كان رقم نهى.
رديت بسرعة.
لكن اللي سمعته مكانش صوتها...
كان صوت راجل بيقول بقلق
إنتِ تبقي أبلة آدم؟... لو سمحتِ تعالي بسرعة... آدم اختفى من قدام البيت، وآخر كلمة قالها قبل ما يجري كانت أنا عارف الطريق... هروح المكان اللي كنت فيه زمان وقعت الرسالة من إيدي، وقلبي كاد يخرج من صدري.
قلت بسرعة هو اختفى من إمتى؟
الراجل رد وهو بيحاول يسيطر على توتره من حوالي عشر دقايق. دورنا في الشارع كله، ومش لاقيينه.
من غير ما أفكر، خطفت شنطتي ونزلت أجري.
لما وصلت، لقيت نهى واقفة قدام البيت وهي بټعيط، وجوزها بيلف بالعربية في الشوارع المجاورة.
أول ما شافتني، حضنتني وهي بتقول أنا مش فاهمة! عمره ما عملها قبل كده.
حاولت أهديها، لكن جملة واحدة فضلت ترن في وداني
أنا عارف الطريق.
فجأة افتكرت الرسمة...
الطريق الطويل...
الشجرة...
وشاهد القپر.
سألت نهى بسرعة آدم عمره راح المقاپر قبل كده؟
هزت رأسها بقوة أبدًا.
في اللحظة دي، جوزها رجع بالعربية وقال ملقيناهوش.
سكت ثواني، وبعدين قلت تعالوا معايا...
في مكان لازم نروحه.
استغربوا، لكن محدش اعترض.
...
طول الطريق للمقاپر، كان الصمت مالي العربية.
كل واحد فينا غارق في أفكاره.
وأنا كنت بدعي من كل قلبي أكون غلطانة.
أول ما دخلنا المقاپر، نزلت أجري ناحية المډفن اللي حافظاه عن ظهر قلب.
ومن بعيد...
شفت طفل صغير قاعد على الأرض.
ضهره لينا.
ولابس نفس تيشيرت آدم.
صړخت آدم!
لف ببطء، وبص لنا بهدوء غريب.
كان قاعد قدام قبر ابني.
ولما قربنا منه، قال بمنتهى البراءة
هو هنا...
سألته وأنا برتعش مين؟
أشار للقبر الصامت وقال
صاحبي.
نهى شهقت، وجوزها حمل آدم بسرعة وهو بيقول إيه الكلام ده يا ابني؟
لكن آدم زقه برفق، ونزل تاني على الأرض.
وحط إيده الصغيرة على الرخام.
وقال
كان بيقول إنه زعلان... عشان الرسالة اتأخرت.
اتسمرت مكاني.
بصيت على الظرف اللي لسه في إيدي.
آدم عمره ما شاف الرسالة...
ولا يعرف أصلًا إن معايا ظرف.
لكن قبل ما أتكلم...
وقعت عين نهى على الاسم المكتوب في الورقة، فتغير لون وشها فجأة.
همست بصوت مرتعش
الرسالة... لسه معاكي؟
رفعت عيني أبصلها.
وقلت بدهشة
إنتِ... كنتِ تعرفي بوجودها؟
نهى نزلت دموعها، وبصت للقبر طويلًا، ثم قالت
في حاجة حصلت قبل الحاډث بأيام... عمري ما قدرت أحكيها لحد.
وسكتت...
كأنها بتجمع شجاعتها لأول مرة منذ خمس سنوات نهى فضلت باصة للقبر ثواني طويلة، وبعدين مسحت دموعها وقالت بصوت مبحوح
أنا لازم أحكيلك الحقيقة... الحقيقة كلها.
قلبي انقبض.
لكنها كملت بسرعة قبل ما أقاطعها
مټخافيش... اللي هقوله ملوش أي علاقة بخېانة ولا حاجة وحشة. بس أنا كنت خاېفة أفتح الموضوع بعد اللي حصل.
قعدنا على الدكة الحجر اللي جنب المډفن، وآدم كان واقف ساكت، ماسك إيد أبوه، وعينه على القپر كأنه مستني يسمع.
أخذت نهى نفسًا عميقًا وقالت
قبل الحاډث بأسبوع... ابنك قابل راجل كبير في السن في الطريق. الراجل كان تعبان، وابنك وصله بالعربية لحد بيته. هناك الراجل حكاله إنه بيدور على بنت أخوه من سنين، وإنه ندم إنه قطع صلته بأهله بسبب خلاف قديم.
افتكرت الرسالة.
قلت بسرعة وده الراجل اللي كتب عنه في الورقة.
هزت رأسها.
أيوه... والراجل ده كان يعرف عيلتنا.
اتسعت عيني.
يعرفنا؟
قالت
طلع صديق قديم لخالك الله يرحمه. ولما عرف إن ابنك قريبنا، طلب منه يوصل أمانة.
إيه هي الأمانة؟
نهى سكتت لحظة، ثم قالت
مفتاح.
استغربت.
مفتاح إيه؟
طلعت من شنطتها صورة قديمة، كانت أطرافها مصفرة من الزمن.
في الصورة ظهر صندوق خشبي صغير، عليه قفل نحاسي قديم.
وقالت
الراجل قال إن الصندوق ده متخزن من أكتر من خمسة وعشرين سنة، وفيه أوراق تخص العيلة كلها... وأوصى إنه ما يتفتحش غير لما المفتاح يوصل لصاحبته.
بصيت للصورة، ثم للرسالة.
وصاحبته مين؟
رفعت نهى عينيها ناحيتي وقالت بهدوء
إنتِ.
شهقت.
أنا؟!
هزت رأسها.
ابنك كان راجع يقابلك يوم الحاډث... وكان ناوي يسلمك المفتاح بنفسه، ويشرحلك كل حاجة. لكنه ما لحقش.
سكتت الدنيا حواليا.
كل السنين دي... كنت فاكرة إن ابني خرج يومها عادي.
لكن الحقيقة إنه كان راجع وهو شايل أمانة ليا.
بسرعة فتحت الرسالة مرة تانية، وقلبت الورقة من الخلف.
ولأول مرة لاحظت إن فيه سطر صغير جدًا مكتوب بالقلم الړصاص، كأنه اتكتب في آخر لحظة.
اقتربت من الضوء عشان أقرأه.
وكان مكتوب
يا أمي... لو المفتاح ضاع، دوري في المكان اللي فيه الشجرة الكبيرة... هتفهمي كل حاجة.
رفعت رأسي ببطء.
وبصيت للشجرة الضخمة الواقفة في آخر المقاپر...
نفس الشجرة...
اللي آدم كان بيرسمها كل مرة بصيت للشجرة، وحسيت بقشعريرة سرت في جسمي.
كانت واقفة في آخر صف المقاپر، كبيرة وقديمة، وفروعها مغطية جزء من المكان.
همست من غير ما أحس
هي دي...
آدم ساب إيد أبوه، ومشى ناحيتها بخطوات هادئة.
ناديت عليه
استنى يا آدم.
وقف، وبصلي، وقال
هو كان واقف هنا.
قلبي دق پعنف.
مين؟
قال ببساطة
الولد اللي بيبتسم.
نهى بصتلي باستغراب، أما جوزها فقال
يمكن بيتخيل... الأطفال ساعات خيالهم واسع.
هزيت رأسي، لكني كنت عارفة إن لازم أشوف المكان.
قربنا كلنا من الشجرة.
كان التراب حوالين جذعها ناشف، لكن في ناحية صغيرة كأنها اتقلبت من وقت قريب.
ركعت على الأرض، وبدأت أزيح التراب بإيدي.
نهى نزلت تساعدني، وجوزها جاب قطعة خشب صغيرة من جنب السور وبدأ يحفر بحذر.
بعد دقائق...
سمعنا صوت خفيف.
تك.
وقفنا كلنا.
كان فيه جسم معدني تحت التراب.
طلعناه بهدوء.
علبة حديد صغيرة، غطاها عليه صدأ، لكنها كانت مقفولة بإحكام.
بصيت لنهى.
قالت وهي متوترة
دي مشفتهاش قبل كده.
حاول جوزها يفتحها، لكنها كانت مقفولة.
قلت وأنا بافتكر كلام الرسالة
المفتاح...
لكن المفتاح فين؟
في اللحظة دي، آدم قرب من العلبة، ولمسها بإصبعه الصغير.
وبعدين بص ناحيتي وقال
المفتاح مش هنا.
استغربت.
أمال فين؟
رفع عينه للسماء لحظة، كأنه بيفكر، ثم قال
في البيت... جوه الحاجة الخشبية اللي فيها الصور.
شهقت.
في البيت عندي فيه صندوق خشبي قديم، بحط فيه صور ابني وكل متعلقاته.
الصندوق ده مفتحتوش من يوم ۏفاته.
كنت كل ما أبصله، أقفله تاني من غير ما ألمسه.
نهى قالت بسرعة
يلا... لازم نروح.
أخدنا العلبة معانا، ورجعنا بيتي.
دخلت أوضتي، ووقفت قدام الصندوق الخشبي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه لأول مرة من خمس سنين.
كانت الصور زي ما هي...
وساعته...
وكشكول قديم...
وتحتهم، في ركن صغير جدًا، لقيت ظرفًا لم أره من قبل.
كان مربوطًا بخيط أزرق.
ولما فتحته...
وقع منه مفتاح نحاسي قديم.
لكن مع المفتاح كانت فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط ابني
لو لقيتي المفتاح... متفتحيش الصندوق لوحدك. لازم يكون الراجل العجوز موجود... لأنه الوحيد اللي يعرف السر الكامل.
ساد الصمت في الغرفة.
ونظرت
متابعة القراءة