سرنجة في كوب اللبن

موقع أيام نيوز


العقبة الأخيرة. القصر كان مظلماً تماماً، والهدوء فيه مرعب ولا يوجد أي أثر للحراس عند البوابة الخارجية. دخلت بخطوات حذرة، وصوت كعب حذائها يتردد في الردهة الواسعة. نادت بصوت مرتجف طارق؟ فريدة؟ في حد هنا؟. فجأة، اشتعلت أضواء الصالون الكبير دفعة واحدة، لتجد طارق جالساً على مقعد منفرد في المنتصف، وعيناه ممتلئتان بنور أسود قاټل. وإلى جانبه، كانت تقف فريدة، وهي ممسكة بيدك ياسين الصغير الذي كان واقفاً على قدميه، نعم... واقفاً وسائراً ببطء، ينظر لنادين بعيني القاضي الذي ينتظر حكم الإعدام. نادين تراجعت للخلف وصډمتها جعلتها تسقط حقيبة يدها أرضاً. صړخت ياسين؟! إنت بتتحرك؟ إنت بتتكلم؟ طارق... في إيه؟ إيه المهزلة دي؟. طارق قام من مكانه ببطء شديد، وخطواته كانت تقترب منها كخطوات ملك المۏت. قال لها بصوت هادئ هز أركان المكان المهزلة انتهت يا نادين... سرنجة اللبن كشفت كل حاجة... والولد اللي كنتي بتسمميه واقف قدامك وبيقول لك إنه شافك وإنتي واقفة بتضحكي وأمه بټموت على الطريق. نادين حاولت الإنكار والالتفاف طارق إنت اټجننت؟ بتصدق كلام عيل مشلۏل؟ دي الممرضة الحرامية دي هي اللي لعبت في دماغك!. طارق ضحك ضحكة ساخرة مرعبة، وصفق بيده مرتين. من الباب الجانبي، دخل اثنان من الحراس يجرون خلفهم جسداً مكسوراً ومدمى... كان كريم! كريم الذي جُرد من كل كبريائه وبدلته الفاخرة، ووجهه متورم من الضړب. كريم نظر لنادين وقال بصوت باكٍ ومقطع اعترفي يا نادين... طارق عرف كل حاجة... طارق معاه كل التسجيلات... إحنا انتهينا.
الفصل التاسع السقوط في الهاوية
نادين شعرت أن الأرض تدور بها، وأن القصر الفخم تحول إلى سجن محكم الإغلاق لا مخرج منه. سقطت على ركبتيها تبكي وتتوسل لطارق طارق... أرجوك... كريم هو اللي أغواني... هو اللي كان عايز ياخد شركاتك... أنا كنت بحبك... أرجوك سامحني. طارق نظر إليها بقرف، ولمست قلبه ذكرى زوجته الراحلة سارة التي ماټت بنيران غدرهم. قال لها أنا مش ھقتلك يا نادين... القټل رخيص وسريع ومريح لأمثالكم... أنا هخليكم تتمنوا المۏت كل دقيقة ومش هتلاقوه. طارق أخرج هاتفه وضغط على زر، ليدخل الأوضة ضباط من المباحث الجنائية والأمن الوطني الذين كان طارق قد نسق معهم مسبقاً وأطلعهم على كافة الأدلة والتسجيلات واعترافات كريم المسجلة بالكامل، بالإضافة إلى تقرير الطب الشرعي الذي أعدته فريدة بعينات اللبن المسمۏم ودماء ياسين التي ثبت فيها تركيز العقار المخدر. الضباط تقدموا وقاموا بوضع الكلبشات في يد نادين التي كانت تصرخ بهستيرية، وجروا كريم ونادين خارج القصر وسط نظرات الاحتقار من الجميع. القضية لم تكن مجرد محاولة قتل؛ بل تحولت إلى قضية قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد لزوجة طارق، ومحاولة اغتيال طفل، وتآمر لسړقة وتزوير أوراق شركات كبرى، وهي الچرائم التي تصل عقوبتها في القانون إلى الإعدام شنقاً أو السچن المؤبد لمدى الحياة مع الأشغال الشاقة.
الفصل العاشر بزوغ الفجر الجديد العدالة والشفاء
بعد مرور ستة أشهر على تلك الليلة الرهيبة، صدر الحكم التاريخي من المحكمة بإحالة أوراق كريم ونادين إلى فضيلة المفتي، تلاها حكم بالإعدام شنقاً لكريم، والسجن المؤبد للأشغال الشاقة لنادين كشريكة ومحرضة رئيسية، ليمضوا بقية حياتهم خلف القضبان السوداء ينهشهم الندم والخۏف. وفي نفس الوقت، كان القصر الكبير قد تغيرت طاقته تماماً؛ حيث انقشعت غيوم الشك والمۏت، وحلت مكانها أنوار الحياة والأمل. ياسين بدأ يسترد عافيته بشكل شبه كامل، وبفضل جلسات العلاج الطبيعي المكثفة التي كانت تشرف
عليها فريدة بنفسها، بدأ يجري في حديقة القصر ويضحك بصوت عالٍ، وصوته يملأ الأركان وهو ينادي بابا... بابا. أما فريدة، فقد رد لها طارق اعتبارها أمام المجتمع كله؛ حيث أقام مؤتمراً صحفياً كبيراً أعلن فيه براءتها من التهم القديمة التي لفقها لها أصحاب المستشفى السابق بالتواطأ مع نادين وكريم لإبعادها عن طريقهم، وكرمها كرئيسة لمؤسسة رعاية الأطفال الطبية الجديدة التي أنشأها طارق باسم مؤسسة سارة وياسين لرعاية الطفولة، وجعل فريدة المديرة التنفيذية لها براتب خيالي وبمكانة اجتماعية تليق ببطولتها وأمانتها. وفي مساء أحد الأيام، كان طارق واقفاً في الشرفة، يشاهد ابنه ياسين وهو يلعب بالكرة في الحديقة برفقة فريدة التي كانت تبتسم بنقاء. الټفت طارق ونظر إلى السماء، وشعر لأول مرة منذ سنوات طويله أن روح زوجته سارة أصبحت مستريحة الآن، وأن العدالة الأرضية قد تحققت بالكامل... كل ذلك بفضل الله، ثم بفضل ذكاء ممرضة وشك أصيل كشفته سرنجة مخبأة في كوب من اللبن.

 

تم نسخ الرابط