سرنجة في كوب اللبن
الرواية الكاملة سرنجة في كوب اللبن من الغدر إلى الاڼتقام
الفصل الأول هندسة الشك وبقايا الرماد
ابنك مبقاش محتاج بيت... ابنك محتاج يتحط في مؤسسة.
قالتها نادين وهي بتعدل حلقها الألماظ قدام المراية الكبيرة في مكتب طارق، كأنها بتتكلم عن تغيير قطعة كنب قديمة أو التخلص من سجادة بادت ألوانها. لم تلتفت إليه، ولم تكلف نفسها عناء النظر إلى ملامحه التي تيبست. ما ردش طارق. كان قاعد في مكتبه الفخم، غارقًا في مقعده الجلدي، وعيناه مسمرتان على شاشة مخفية داخل درج مكتبه، تعرض بثًا حيًا من أوضة ابنه ياسين اللي عنده 7 سنين. ياسين، ذلك الجسد النحيل الذي تيبس شقه السفلي من وسط الجسم بفعل الصدمة، والذي قضى ال 11 شهرًا الماضية في صمت مطبق، لم ينطق خلالها بكلمة واحدة، ولم تصدر عنه سوى نظرات حائرة مکسورة. الحاډثة لم تكن قضاءً وقدرًا عابرًا في حسابات طارق؛ كانت كابوسًا تمدد على طريق سريع مظلم، عندما قفلت شاحنة ضخمة من غير نمر الطريق على سيارتهم ال SUV. في تلك الليلة المشؤومة، ماټت زوجته سارة في الحال، بينما نجا ياسين بجسد مكسور وعمود فقري تالف، وفقدان تام للقدرة على الكلام. طارق كان راجل غني جدًا، صاحب شركات مقاولات وشحن، ويمتلك نفوذًا يخليه يشتري ولاءات الكبار ويسكت أي لسان بلمحة من عينه. لكن هذا النفوذ كله، بملياراته وعلاقاته، وقف عاجزًا، مش قادر يخلي ابنه يلتفت إليه ويقول له كلمة واحدة بابا. بعد الحاډثة، تحول طارق إلى وحش من الشك. طرد تقريبًا كل العاملين في القصر، من طباخين، وحراس، وسائقين، لأنه كان موقنًا في قرارة نفسه إن حد منهم، من الدائرة القريبة، هو اللي سرب خط سيرهم في تلك الليلة وتواطأ مع أصحاب الشاحنة المجهولة. ومن يومها، تحول بيته إلى مقپرة للموظفين؛ أي ممرضة، أو أخصائية علاج طبيعي، أو مساعدة تدخل القصر، كانت تقعد كام يوم وتمشي مطرودة أو هاربة من نظرات الشك والتحقيق التي يرميها بها طارق. لحد ما جات فريدة. ممرضة جديدة، عندها 28 سنة، كانت شغالة قبل كده في قسم الرعاية المركزة للأطفال في مستشفى جامعي كبير، لكن كان وراها سمعة سيئة وسيرة خلت الكل ېخاف من تشغيلها. اتهموها قبل كده في المستشفى الخاص اللي نقلت ليه إنها سړقت أدوية مهدئة ومخدرة غالية الثمن من العهدة. فريدة ما دخلتش السچن لأن الأدلة لم تكن كافية جنائيًا، لكن التهمة فضلت لازقة في اسمها كوشم لا يزول، وانقطعت أمامها سبل العمل في الأماكن المحترمة. كريم، شريك طارق وأقرب الناس ليه، وصديق عمره الذي يشاركه في كل صغيرة وكبيرة في البيزنس، قال له بنبرة خوف وتحذير وهو جالس أمامه قبل أسبوعين الناس كلها في السوق بتقول إن البنت دي حرامية وهتخونك... أنا مش فاهم إنت إزاي دخلت المۏت بوشه بيتك، وائتمنتها على ابنك؟. لكن طارق كان فاهم كويس، وعقله الاستراتيجي كان شغال في منطقة تانية خالص. هو كان عايز بالظبط واحدة ظروفها صعبة ومکسورة، واحدة سمعتها ملوثة عشان يقدر يراقبها بسهولة، وتكون تحت طوعه، ولو حصل أي حاجة أو تدهور في حالة ياسين، تبقى هي الشماعة الجاهزة وأول متهمة تتقدم للشرطة. شغلها بشروط صارمة وواضحة كحد السيف ممنوع تخرج بالولد برا البيت لأي سبب، وممنوع تستقبل أي مخلوق، وممنوع تعترض على أي علاج أو جدول دواء يحدده الأطباء، ولازم تنفذ كل التعليمات اللي تتقال لها من