أول ما بنتي حكايات صابرين محمد
المحتويات
فضلت ترن في وداني طول طريق الرجوع، وكل ما أفتكرها أحس إني بفهم الحقيقة أكتر، لأنها ما قالتش كنت خاېفة عليها من خطړ... ولا قالت كنت شاكّة إنها بتتعرض لأذى... كل اللي كانت خاېفة منه إن حفيدتها تكبر ويبقى ليها بيتها، وأبوها وأمها، وحدودها اللي محدش له حق يتخطاها، وكأن سلمى كانت بالنسبة لها حق مكتسب، مش طفلة ربنا رزقنا بيها إحنا، وأمانة في رقبتنا إحنا.
بعدها التحقيقات كملت، وكل واحد فيهم اتسمعت أقواله، والأدلة كانت بتتكلم لوحدها، والقضية بدأت تاخد طريقها القانوني، لكن اللي كان بيحصل جوا بيتنا وقتها كان أصعب بكتير من أي ورقة أو محضر.
أحمد...
ما بقاش يعرف طعم النوم.
كل ليلة تقريبًا كان يصحى على الساعة اتنين أو تلاتة، يلف على الشبابيك، ويتأكد إن باب الشقة مقفول كويس، ويبص على الباب أكتر من مرة، وبعدها يروح يقف قدام أوضة سلمى، يبصلها وهي نايمة، ويقف يدعي ربنا في سره إنه يحفظها، وكأنه بيحاول يعوضها عن لحظة واحدة حس فيها إنه ما قدرش يحميها.
وفي ليلة، صحيت ملقتوش جنبي.
خرجت أدور عليه، فلقيته واقف قدام مصباح صغير على شكل دبدوب كانت سلمى اختارته بعد ما أخدوا الدبدوب الأول، وكان باصص له بشرود، كأنه بيحاسب نفسه على كل السنين اللي فاتت.
من غير ما يلف ناحيتي، قال بصوت كله ۏجع
كان المفروض أكون حاسم من زمان... كان المفروض أحط حدود من أول مرة اتدخلوا في حياتنا.
قربت منه، ومسكت إيده، وقلت بهدوء
إنت اتربيت طول عمرك على إن اللي كانوا بيعملوه طبيعي، وإن رضاهم أهم من راحتك.
هز راسه وقال وهو بيغمض عينه
وده مش عذر.
قلت وأنا ببصله
لأ... مش عذر، لكنه تفسير، وفي فرق كبير بين اللي بيفسر الغلط، واللي بيبرره، وإنت أول واحد وقف لما عرف الحقيقة، وأول واحد اختار يحمي بيته.
سكت...
لكن من نظرته عرفت إن فيه چروح عمرها ما هتخف بالكلام، وإن الإنسان ساعات بيحتاج يسامح نفسه قبل ما يعرف يكمل حياته.
أما سلمى...
فإحنا اتفقنا من أول يوم إننا مش هنحمل قلبها الصغير فوق طاقته.
ما حكينالهاش كل اللي حصل، ولا قولنالها عن التحقيقات، ولا عن المحاضر، ولا عن اللي اكتشفته الشرطة.
كل اللي قولناه إن الدبدوب كان جواه كاميرا، وإن مفيش أي كبير من حقه يخبي كاميرا جوه لعبة طفل، وإن جدو وتيتة غلطوا غلطة كبيرة، وعشان كده هيبقى فيه فترة مش هنشوفهم فيها لحد ما الأمور تهدى.
بصتلنا ببراءة وقالت
هما زعلانين مني؟
في اللحظة دي أحمد نزل على ركبته بسرعة، ومسك إيديها بين إيديه، وقال وهو بيبوس راسها
لا يا روح قلب بابا... إنتِ معملتيش أي حاجة غلط، والله ما ذنبك خالص.
بصتله تاني وسألته
أمال عملوا كده ليه؟
أحمد بصلي، وعرفت من عينه إنه مش لاقي الكلمات اللي تشرح لطفلة عندها ست سنين حاجة الكبار نفسهم مش قادرين يفهموها.
فقعدت جنبها، ومسحت على شعرها، وقلت بهدوء
عشان في ناس كبيرة ساعات بتغلط لما تفتكر إن الحب معناه إنها تسيطر على كل حاجة، لكن يا حبيبتي، ده عمره ما كان بسببك، وإنتِ ملكيش أي ذنب في اللي حصل.
فضلت سلمى ساكتة شوية، وكأنها بتحاول تستوعب الكلام بطريقتها الصغيرة، وبعدين قالت جملة وقعت على قلبي كأنها حجر
يبقى أنا مش عايزة أي هدايا مفاجئة تاني.
وساعتها...
حسيت إن بنتي اتعلمت درس أكبر بكتير من سنها، درس كنت أتمنى يفضل بعيد عنها سنين طويلة، لكن الحمد لله إن ربنا كشف الحقيقة قبل ما تتحول براءة لعبة صغيرة... لۏجع كان ممكن يفضل معاها
العمر كله.
وبعدها
متابعة القراءة